كشف المحجة لثمرة المهجة - السيد بن طاووس - الصفحة ٢٢٨ - الفصل الرابع و الخمسون و المائة وصية الإمام علي(ع) لولده الإمام الحسن(ع)
وَ لَمْ يُلْجِئْكَ إِلَى مَنْ يَشْفَعُ لَكَ إِلَيْهِ، وَ لَمْ يَمْنَعْكَ إِنْ أَسَأْتَ مِنَ التَّوْبَةِ، وَ لَمْ يُعَاجِلْكَ بِالنِّقْمَةِ، وَ لَمْ يُعَيِّرْكَ بِالْإِنَابَةِ[١] وَ لَمْ يَفْضَحْكَ حَيْثُ الْفَضِيحَةُ بِكَ أَوْلَى، وَ لَمْ يُشَدِّدْ عَلَيْكَ فِي قَبُولِ الْإِنَابَةِ، وَ لَمْ يُنَاقِشْكَ بِالْجَرِيمَةِ، وَ لَمْ يُؤْيِسْكَ مِنَ الرَّحْمَةِ. بَلْ جَعَلَ نُزُوعَكَ عَنِ الذَّنْبِ حَسَنَةً[٢]، وَ حَسَبَ سَيِّئَتَكَ وَاحِدَةً، وَ حَسَبَ حَسَنَتَكَ عَشْراً، وَ فَتَحَ لَكَ بَابَ الْمَتَابِ. فَإِذَا نَادَيْتَهُ سَمِعَ نِدَاءَكَ، وَ إِذَا نَاجَيْتَهُ عَلِمَ نَجْوَاكَ[٣] فَأَفْضَيْتَ إِلَيْهِ بِحَاجَتِكَ[٤]، وَ أَبْثَثْتَهُ ذَاتَ نَفْسِكَ، وَ شَكَوْتَ إِلَيْهِ هُمُومَكَ، وَ اسْتَكْشَفْتَهُ كُرُوبَكَ[٥]، وَ اسْتَعَنْتَهُ عَلَى أُمُورِكَ، وَ سَأَلْتَهُ مِنْ خَزَائِنِ رَحْمَتِهِ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى إِعْطَائِهِ غَيْرُهُ مِنْ زِيَادَةِ الْأَعْمَارِ وَ صِحَّةِ الْأَبْدَانِ وَ سَعَةِ الْأَرْزَاقِ. ثُمَّ جَعَلَ فِي يَدَيْكَ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِهِ بِمَا أَذِنَ لَكَ مِنْ مَسْأَلَتِهِ، فَمَتَى شِئْتَ اسْتَفْتَحْتَ بِالدُّعَاءِ أَبْوَابَ نِعْمَتِهِ، وَ اسْتَمْطَرْتَ شَآبِيبَ رَحْمَتِهِ[٦].
فَلَا يُقَنِّطَنَّكَ إِبْطَاءُ إِجَابَتِهِ[٧] فَإِنَّ الْعَطِيَّةَ عَلَى قَدْرِ النِّيَّةِ. وَ رُبَّمَا أُخِّرَتْ عَنْكَ الْإِجَابَةُ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَعْظَمَ لِأَجْرِ السَّائِلِ وَ أَجْزَلَ لِعَطَاءِ الْآمِلِ. وَ رُبَّمَا سَأَلْتَ الشَّيْءَ فَلَا تُؤْتَاهُ وَ أُوتِيتَ خَيْراً مِنْهُ عَاجِلًا أَوْ آجِلًا، أَوْ صُرِفَ عَنْكَ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ. فَلَرُبَّ أَمْرٍ قَدْ طَلَبْتَهُ فِيهِ هَلَاكُ دِينِكَ لَوْ أُوتِيتَهُ. فَلْتَكُنْ مَسْأَلَتُكَ فِيمَا يَبْقَى لَكَ جَمَالُهُ وَ يُنْفَى عَنْكَ وَبَالُهُ. فَالْمَالُ لَا يَبْقَى لَكَ وَ لَا تَبْقَى لَهُ.
وَ اعْلَمْ أَنَّكَ إِنَّمَا خُلِقْتَ لِلْآخِرَةِ لَا لِلدُّنْيَا، وَ لِلْفَنَاءِ لَا لِلْبَقَاءِ، وَ لِلْمَوْتِ لَا لِلْحَيَاةِ، وَ أَنَّكَ فِي مَنْزِلِ قُلْعَةٍ[٨]، وَ دَارِ بُلْغَةٍ، وَ طَرِيقٍ إِلَى الْآخِرَةِ، وَ أَنَّكَ طَرِيدُ
[١] الإنابة: الرّجوع إلى اللّه، يعير الرّاجع إليه برجوعه.
[٢] نزوعك: رجوعك.
[٣] المناجاة: المكالمة سرّا. و اللّه يعلم السّرّ كما يعلم العلن.
[٤] أفضيت: ألقيت. و أبثثته: كاشفته. و ذات النّفس: حالتها.
[٥] طلبت كشفها.
[٦] الشّؤبوب- بالضّمّ-: الدّفعة من المطر، و ما أشبه رحمة اللّه بالمطر ينزل على الأرض الموات فيحييها، و ما أشبه نوباتها بدفعات المطر.
[٧] القنوط: اليأس.
[٨] قلعة- بضمّ القاف و سكون اللّام، و بضمّتين، و بضمّ ففتح، يقال منزل قلعة أي لا يملك لنازله، أو لا يدري متى ينتقل عنه. و البلغة: الكناية أي دار تؤخذ منها الكفاية للآخرة.