كشف المحجة لثمرة المهجة - السيد بن طاووس - الصفحة ٢٢٣ - الفصل الرابع و الخمسون و المائة وصية الإمام علي(ع) لولده الإمام الحسن(ع)
إِلَيْكَ بِمَا فِي نَفْسِي، وَ أَنْ أَنْقُصَ فِي رَأْيِي كَمَا نَقَصْتُ فِي جِسْمِي[١]، أَوْ يَسْبِقَنِي إِلَيْكَ بَعْضُ غَلَبَاتِ الْهَوَى وَ فِتَنِ الدُّنْيَا[٢]، فَتَكُونَ كَالصَّعْبِ النَّفُورِ. وَ إِنَّمَا قَلْبُ الْحَدَثِ كَالْأَرْضِ الْخَالِيَةِ مَا أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ شَيْءٍ قَبِلَتْهُ. فَبَادَرْتُكَ بِالْأَدَبِ قَبْلَ أَنْ يَقْسُوَ قَلْبُكَ وَ يَشْتَغِلَ لُبُّكَ لِتَسْتَقْبِلَ بِجِدِّ رَأْيِكَ مِنَ الْأَمْرِ مَا قَدْ كَفَاكَ أَهْلُ التَّجَارِبِ بُغْيَتَهُ وَ تَجْرِبَتَهُ[٣]، فَتَكُونَ قَدْ كُفِيتَ مَؤُونَةَ الطَّلَبِ، وَ عُوفِيتَ مِنْ عِلَاجِ التَّجْرِبَةِ، فَأَتَاكَ مِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ كُنَّا نَأْتِيهِ، وَ اسْتَبَانَ لَكَ مَا رُبَّمَا أَظْلَمَ عَلَيْنَا مِنْهُ[٤].
أَيْ بُنَيَّ إِنِّي وَ إِنْ لَمْ أَكُنْ عُمِّرْتُ عُمُرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَ فَكَّرْتُ فِي أَخْبَارِهِمْ، وَ سِرْتُ فِي آثَارِهِمْ حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ. بَلْ كَأَنِّي بِمَا انْتَهَى إِلَيَّ مِنْ أُمُورِهِمْ قَدْ عُمِّرْتُ مَعَ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ، فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذَلِكَ مِنْ كَدَرِهِ، وَ نَفْعَهُ مِنْ ضَرَرِهِ، فَاسْتَخْلَصْتُ لَكَ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ نَخِيلَهُ[٥] وَ تَوَخَّيْتُ لَكَ جَمِيلَهُ، وَ صَرَفْتُ عَنْكَ مَجْهُولَهُ، وَ رَأَيْتُ حَيْثُ عَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِي الْوَالِدَ الشَّفِيقَ وَ أَجْمَعْتُ عَلَيْهِ مِنْ أَدَبِكَ[٦] أَنْ يَكُونَ[٧] ذَلِكَ وَ أَنْتَ مُقْبِلُ الْعُمُرِ وَ مُقْتَبَلُ الدَّهْرِ، ذُو نِيَّةٍ سَلِيمَةٍ وَ نَفْسٍ صَافِيَةٍ، وَ أَنْ أَبْتَدِئَكَ بِتَعْلِيمِ كِتَابِ اللَّهِ وَ تَأْوِيلِهِ، وَ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وَ أَحْكَامِهِ، وَ حَلَالِهِ وَ حَرَامِهِ، لَا أُجَاوِزُ ذَلِكَ بِكَ
[١] و ان أنقص عطف على أن يجعل.
[٢] أي يسبقني بالاستيلاء على قلبك غلبات الأهواء فلا تتمكّن نصيحتي من النّفّوذ إلى فؤادك فتكون كالفرس الصّعب غير المذلّل. و النّفور ضدّ الآنس.
[٣] ليكون جدّ رأيك أي محقّقه و ثابته مستعدّا لقبول الحقائق الّتي وقف عليها أهل. التّجارب و كفوك طلبها.
و البغية- بالكسر- الطّلب.
[٤] استبان: ظهر إذا انضمّ رأيه إلى آراء أهل التّجارب فربّما يظهر له ما لم يكن ظهر لهم فإنّ رأيه يأتي بأمر جديد لم يكونوا أتوا به.
[٥] النّخيل: المختار المصفّى. و توخّيت أي تحرّيت.
[٦] أجمعت: عزمت عطف على يعني الوالد.
[٧] أن يكون مفعول رأيت.