كشف المحجة لثمرة المهجة - السيد بن طاووس - الصفحة ٤٩ - الفصل الخامس عشر في بيان طرق معرفة الله
و ترى علوم سيّدنا خاتم الأنبياء، و علوم من سلف من الأنبياء صلوات اللّه عليه و آله و عليهم على سبيل كتب اللّه جلّ جلاله المنزلة عليهم في التنبيه اللطيف و التشريف بالتكليف. و مضى على ذلك الصدر الأوّل من علماء المسلمين و إلى أواخر أيّام من كان ظاهرا من الأئمّة المعصومين عليهم السّلام أجمعين.
فإنّك[١] تجد من نفسك بغير اشكال أنّك لم تخلق جسدك و لا روحك و لا حياتك و لا عقلك، و لا ما خرج عن اختيارك من الآمال و الأحوال و الآجال، و لا خلق ذلك أبوك و لا امك، و لا من تقلّبت بينهم من الآباء و الامهات؛ لأنّك تعلم يقينا أنّهم كانوا عاجزين عن هذه المقامات، و لو كان لهم قدرة على تلك المهمات ما كان قد حيل بينهم و بين المرادات، و صاروا من الأموات، فلم تبق مندوحة أبدا عن واحد منزّه عن امكان المتجددات خلق هذه الموجودات، و إنّما تحتاج إلى أن تعلم ما هو عليه جلّ جلاله من الصفات.
أقول: و لأجل شهادات العقول الصريحة، و الأفهام الصحيحة بالتصديق بالصانع أطبقوا جميعا على فاطر و خالق، و إنّما اختلفوا في ماهيته و حقيقة ذاته، و في صفاته بحسب اختلاف الطرائق.
اقول: و انني وجدت قد جعل اللّه جلّ جلاله في جملتي حكما[٢] أدركته عقول العقلاء، فجعلني من جواهر و أعراض، و عقل روحاني، و نفس و روح. فلو سألت بلسان الحال الجواهر التي في صورتي: هل كان لها نصيب من خلقي و فطرتي؟! لوجدتها تشهد لي بالعجز و الافتقار، و أنها لو كانت قادرة على هذا المقدار ما اختلف عليها الحادثات و التغيرات و التقلبات، و وجدتها معترفة أنها ما كان لها حديث يفترى في تلك التدبيرات، و أنها ما تعلم كيفية ما فيها من التركيبات، و لا عدد و لا وزن ما جمع فيها من المفردات.
و لو سألت بلسان الحال الأعراض، لقالت: أنا أضعف من الجواهر؛ لأنني
[١] في نسخة( ع): فأنت.
[٢] في هامش نسخة( ع): علما( خ ل).