كشف المحجة لثمرة المهجة - السيد بن طاووس - الصفحة ٥٢ - الفصلالسابع عشر في بيان تحذيره من متابعة المعتزلة في طريق معرفة الله تعالى
عظيمة من التحقيق و الكشف و الضياء و الجلاء.
ثم إذا التفت مرة اخرى إلى ورائه فأخذ بعض الحاضرين ذلك من بين يديه، فإنّه إذا عاد و التفت إليه و لم يره موجودا فلا يشك أنّه أخذه أحد سواه. و لو حلف له كل من حضر أنه حضر ذلك الطعام بذاته و ذهب بذاته، كذّب الحالف و ردّ عليه دعواه.
فهذا يدلك على أن فطرة ابن آدم ملهمة معلّمة من اللّه جلّ جلاله، بأن الأثر دلّك[١] دلالة بديهية على مؤثّره بغير ارتياب، و الحادث دلك على محدثه بدون حكم اولي الألباب.
فكيف جاز أن يعدل ذوو البصائر عن هذا التنبيه الباهر القاهر عند كمال العقول إلى أن يقولوا للانسان الكثير الغفول- و قد علموا أنّه قد نشأ في بلاد الاسلام، و رسخ في قلبه حب المنشأ لدين محمّد عليه السّلام، و أنس بسماء المعجزات و الشرائع و الأحكام، و صار ذلك له عادة ثابتة[٢] قوية معاضدة لفطرته الأزلية-: إنّك مالك طريق إلى معرفة المؤثر و الصانع، الذي قد كان عرفه معرفة مجملة بأثره قبل ارشاده، لا بنظره في الجوهر و الجسم و العرض و تركيب ذلك على وجه يضعف عنها كثير من اجتهاده.
ثم ان استاذه، أو الذي يقول له هذا القول معتقد لدين المسلمين، و يدّعي أنه من العلماء و المعلمين، و هو يجد في القرآن الشريف: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها[٣]، فهل ترى يا ولدي محمّد أنه يجوز لمسلم أن يطعن بعد هذه الدلالة المشار إليها، و يسترها عمن هو محتاج إلى التنبيه عليها، و يعلم من ولد على الفطرة و لا يعرفه المنة عليه في تلك الهداية التي منّ اللّه عليها[٤].
[١] في نسخة( ع): دال.
[٢] في هامش نسخة( ع): فطره ثانية( خ ل).
[٣] الروم: ٣٠.
[٤] في هامش نسخة( ع): التي فطرها اللّه عليها( خ ل).