تذكرة الخواص من الأمة بذكر خصائص الأئمة - سبط ابن الجوزي - الصفحة ١٤٤ - فصل في ذكر والده؛ أبي طالب
لما أرى من نصحك لي[١].
و به، قال ابن سعد: حدّثنا الواقدي، قال: دعا أبو طالب قريشا عند موته، فقال:
لن تزالوا بخير ما سمعتم من محمّد ابن أخي و ما اتّبعتم أمره، فاتّبعوه و أعينوه فأرشدكم[٢]، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «أتأمرهم بها و تدعها بنفسك يا عمّ؟».
فقال: يا ابن أخي، أما إنّك لو سألتني الكلمة و أنا صحيح لتابعتك على ما تقول، و لكنّي أكره أن يقال: جزع عند الموت، ثمّ مات[٣].
[١] - روى محمّد بن سعد بهذا الإسناد حديثا آخر مغايرا لهذا المتن، و هو موجود في الطبقات: ج ١، ص ١٢٢ في عنوان« ذكر أبي طالب و ضمّه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إليه»، و أمّا هذا الحديث فهو شطر من الحديث الآتي، فلاحظ التعليقة التالية.
[٢] - ض و ع: ترشدوا، بدل:« فأرشدكم».
[٣] - قريبا منه رواه ابن سعد في الطبقات: ج ١، ص ١٢٣ في عنوان« ذكر أبي طالب و ضمّه رسول اللّه إليه»، قال:
أخبرنا محمّد بن عمر، و حدّثني محمّد بن عبد اللّه ابن أخي الزّهري، عن أبيه، عن عبد اللّه بن ثعلبة بن صعير العذري، قال: قال أبو طالب: يا ابن أخي، و اللّه لو لا رهبة أن تقول قريش: دهرني الجزع فيكون سبّة عليك و على بني أبيك لفعلت الذي تقول، و أقررت عينك بها، لما أرى من شكرك و وجدك بي و نصيحتك لي.
ثمّ إنّ أبا طالب دعا بني عبد المطّلب فقال: لن تزالوا بخير ما سمعتم من محمّد و ما اتّبعتم أمره، فاتّبعوه و أعينوه ترشدوا، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم:« أتأمرهم بها و تدعها لنفسك؟» فقال أبو طالب: أما لو أنّك سألتني الكلمة و أنا صحيح لتابعتك على الذي تقول، و لكنّي أكره أن أجزع عند الموت فترى قريش أنّي أخذتها جزعا و رددتها في صحّتي.
أقول: هذا الحديث في حدّ ذاته- و لو لم يكن له معارض- غير صالح للحجيّة، بل هو ضعيف سندا و متنا. فأمّا ضعف السند فمن جهات: الجهة الأولى: فهو مرسل، فلا اعتبار له.
الجهة الثانية: إنّ محمّد بن عمر بن واقد[ الأسلمي الواقدي] ضعيف جدّا، كما قال ابن حجر العسقلاني في ترجمته من تقريب التهذيب: ج ٢، ص ١٩٤ تحت الرقم ٥٦٧: متروك مع سعة علمه.
الجهة الثالثة: إنّ محمّد بن عبد اللّه[ بن مسلم بن عبيد اللّه بن شهاب الزّهري] ابن أخي الزّهري، لا اعتبار بحديثه، لأنّ له أوهاما، كما قال ابن حجر العسقلاني في ترجمته من تقريب التهذيب: ج ٢، ص ١٨٠ تحت الرقم ٤١٤: صدوق له أوهام.-- الجهة الرابعة: إنّ عبد اللّه بن ثعلبة بن صعير لم يدرك أبا طالب، نعم له رؤية للنبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلم و لم يثبت له سماع، كما في ترجمته من تقريب التهذيب: ج ١، ص ٤٠٥ تحت الرقم ٢١٨.
و أمّا ضعف المتن، فقد تواترت الأخبار الدالّة على إيمان أبي طالب رحمه اللّه من طرق العامّة و الخاصّة، و قد ألّف كثير من الأعاظم و الأعلام كتابا مفردا في ذلك. و لاحظ أيضا التعليقات التالية.
و لقد أجاد ابن أبي الحديد المعتزلي حيث يقول في شرح نهج البلاغة: ج ١٤، ص ٨٤ في آخر بحثه عن إيمان أبي طالب:
|
و لو لا أبو طالب و ابنه |
لما مثل الدين شخصا فقاما |
|
|
فذاك بمكّة آوى و حامى |
و هذا بيثرب جسّ الحماما |
|
|
تكفّل عبد مناف بأمر |
و أودى فكان عليّ تماما |
|
|
فقل في ثبير مضى بعد ما |
قضى ما قضاه و أبقى شماما |
|
|
فللّه ذا فاتحا للهدى |
و للّه ذا للمعالي ختاما |
|
|
و ما ضرّ مجد أبي طالب |
جهول لغا أو بصير تعامى |
|
|
كما لا يضرّ إياة الصبا |
ح من ظنّ ضوء النهار الظلاما |
|