تذكرة الخواص من الأمة بذكر خصائص الأئمة - سبط ابن الجوزي - الصفحة ٩ - ١ - حياته الشخصية و العلمية و الاجتماعية
و استمرّ على ذلك حتّى أثاره من بغداد داعي السّفر إلى ديار الشّام أوائل سنة ٦٠٠ ه و كان يوسف يناهز العشرين من عمره، و هي أوّل رحلة يقوم بها؛ فاجتاز بدقوقا و استمع إلى وعظ خطيبها المدعوّ بالحجّة، و أخذ عنه الحديث، و منها توجّه إلى إربل و لقي بها محيي الدّين السّاقاني، و سمع منه مقطّعات من نظم غيره، و سمع عن المنشآت و المرافق التي أنشأها مظفّر الدّين كوكبوري حاكم إربل و مبلغ نفقاته عليها، و بعدها أمّ مدينة الموصل؛ فلقي فيها أحمد بن عبد اللّه الطّوسي الخطيب، و أخذ عنه الأحاديث النقوريّة، كما لقي أخاه عبد المحسن الطّوسي و سمع عليه الحديث، و غادرها إلى حرّان فلقي فيها عدّة من الشّيوخ و سمع منهم، و من أهمّهم فخر الدّين ابن تيميّة، و ابن الطبّاخ، و عبد القادر الرّهاوي.
و في كلّ مدينة من هذه المدن كان يعقد مجلسا للوعظ، و كان في الموصل أهمّ مجالسه، إذ لقي في تلك المدينة قبولا لا نظير له، حتّى كان النّاس ينامون في الجامع ليلة مجلس الوعظ لكي لا يتأخّر الواحد منهم فلا يجد له مكانا يجلس فيه من شدّة الزّحام، و كذلك كان شأنه في كلّ بلد حلّه، بعد ذلك يلقى الشّيوخ و يجلس للوعظ، ففي حلب- بعد الموصل- لقي افتخار الدّين عبد المطّلب بن الفضل في سنة ٦١٦ ه و سمع منه شمائل النّبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلم، و لقي عبد الرحمان بن الأستاذ و سمع منه أسباب النّزول، و عقد مجالس وعظ في تلك المدينة، و كان فيمن يحضر مجالسه ابن النحّاس، و هو شابّ دمشقيّ كان عارفا بالنّفط و الحريق.
ثمّ كانت دمشق محطّ رحاله إذ اتّخذها مستقرّا، فنزل في قاسيون بين المقادسة، و عقد مجالس الوعظ في جامع الجبل و في جامع دمشق، و لم يغادر دمشق في هذه الرّحلة إلّا في زيارة قصيرة للبيت المقدس و قبر الخليل، و كرّ عائدا إلى دمشق، فبقي فيها حتّى سنة ٦٠٣ ه، و لقي فيها أكبر عدد من الشّيوخ، و أدرك عددا كبيرا من علماء دمشق.
و قد استقبلت دمشق مجالسه الوعظيّة في جامع قاسيون و الجامع الأموي