تذكرة الخواص من الأمة بذكر خصائص الأئمة - سبط ابن الجوزي - الصفحة ٥٦٩ - فصل في ذكر قصة جرت له عليه السلام مع عبد الله بن عباس رضى الله عنه
نصح الإمام و الأمّة، فلا تدع إعلامي بما يكون بحضرتك ممّا فيه صلاح للأمّة[١]، فأنت بذلك جدير».
ثمّ كتب إلى ابن عبّاس: «أمّا بعد، فأعلمني ما أخذت[٢] من الخراج و الجزية، و في أيّ شيء وضعته؟».
فكتب إليه ابن عبّاس: ابعث إلى عملك من أحببت فإنّي ظاعن، و السّلام.
ثمّ دعا ابن عبّاس أخواله من بني هلال بن عامر، فجاءه الضحّاك بن عبد اللّه و عبد اللّه بن رزين[٣] في جماعة[٤]، و استدعى قيسا فجاءته، فأخذ ما كان في بيت المال من الأموال[٥] و لحق بالطفّ، فعارضه عليّ عليه السّلام بالخيل ففاته إلى مكّة[٦].
و كان الذي عارضه بكر و جماعة من البطون فاقتتلوا قتالا عظيما كثيرا، و جرح من الفريقين جماعة، ثمّ أفلت ابن عبّاس في عشرين من أخواله إلى الحجاز، فنزل مكّة[٧][٨].
[١] - ج و ش: ما فيه. خ و ع: صلاح الأمّة.
[٢] - خ: أمّا بعد، فأخبرني بما أخذت.
[٣] - كذا في تاريخ الطبري و العقد الفريد و أنساب الأشراف، و في النّسخ: الضحّاك بن عبيد اللّه، و في ك: عبد اللّه بن زريق. و في خ: عبد اللّه بن رزيق.
[٤] - خ: و جماعة.
[٥] - أ و ج و ش: من المال.
[٦] - خ: فعارضته خيل أمير المؤمنين[ عليه السّلام: أ] ففاتهم إلى مكّة.
[٧] - ش: بمكّة.
[٨] - رواه الطبري في أوائل حوادث سنة ٤٠ من الهجرة من تاريخه ٥/ ١٤١، و ابن عبد ربّه في كتاب العسجدة الثّانية من العقد الفريد ٥/ ١٠٢، و البلاذري في ترجمته عليه السّلام من أنساب الأشراف ٢/ ١٦٩ الرقم ٢٠٠، و ابن الأثير في الكامل ٣/ ٣٨٦ في حوادث سنة ٤٠ في عنوان:« ذكر فراق ابن عبّاس البصرة»، مع مغايرات.
و روى ابن أعثم الكوفي و اليعقوبي ضدّ ذلك، أمّا الأوّل: فروى أنّه كان مجرّد اتّهام، و أمّا الثّاني: فروى أنّه ردّ ما-- أخذ.
قال الأوّل في تاريخه ٤/ ٧٢ في عنوان:« خبر عبد اللّه بن عبّاس و زياد بن أبيه و أبي الأسود الدؤلي و ما جرى بينهم» ما ملخّصه: ثمّ بعث عليّ عليه السّلام إلى ابن عبّاس- و هو عامله على البصرة- أن يخرج إلى الموسم فيقيم الحجّ للنّاس، فدعا ابن عبّاس بأبي الأسود فاستخلفه على صلاة البصرة، و دعا بزياد بن أبيه فجعله على الخراج، و خرج ابن عبّاس إلى الموسم، و جرت بين أبي الأسود و زياد منافرة، فهجاه أبو الأسود.
فلمّا رجع ابن عبّاس شكاه زياد، و ذكر أنّه قد هجاه، فأرسل إليه ابن عبّاس فدعاه فقال: أما و اللّه لو كنت من البهائم لكنت جملا ... فخرج أبو الأسود مغضبا، ثمّ كتب إلى عليّ عليه السّلام أنّ ابن عبّاس خان في بيت المال، فكتب عليه السّلام إلى ابن عبّاس:
« بلغني عنك أمور اللّه أعلم بها، فإن تكن حقّا فلست أرضاها لك، و إن تكن باطلا فإثمها على من اقترفها، فإذا ورد عليك كتابي هذا فأعلمني في جوابه ما أخذت من مال البصرة، من أين أخذته و فيم وضعته؟».
فأجابه: قد علمت الذي بلغك عنّي، و أنّ الذي أبلغك الباطل ... فابعث إلى عملك من أحببت فإنّي معتزل عنه.
و اعتزل في بيته، فكتب عليه السّلام إليه بكتاب يعذله فيه على غضبه و يكذّب من سعى به إليه، و أعاد إلى عمله.
و قال الثّاني في تاريخه ٢/ ٢٠٥ في أواخر ترجمة أمير المؤمنين عليه السّلام: و كتب أبو الأسود- و كان خليفة ابن عبّاس بالبصرة- إلى عليّ عليه السّلام يعلمه أنّ عبد اللّه أخذ من بيت المال عشرة آلاف درهم، فكتب عليه السّلام إليه يأمره بردّها، فامتنع، فكتب عليه السّلام يقسم له باللّه لتردّنّها، فلمّا ردّها عبد اللّه- أو ردّ أكثرها- كتب إليه عليّ عليه السّلام:
« أما بعد، فإنّ المرء يسرّه درك ما لم يكن ليفوته، و يسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه، فما أتاك من الدّنيا فلا تكثر به فرحا، و ما فاتك منها فلا تكثر عليه جزعا، و اجعل همّك لما بعد الموت. و السّلام».
فكان ابن عبّاس يقول: ما اتّعظت بكلام قطّ اتّعاظي بكلام أمير المؤمنين.