تذكرة الخواص من الأمة بذكر خصائص الأئمة - سبط ابن الجوزي - الصفحة ٣٢ - ٣ - مذهبه
و فيه يبدو هذا المنحى، و من العسير أن تقال في هذا الاتّجاه كلمة حاسمة، و يبدو أنّ الحقيقة هي أنّ أبا المظفّر كان مغلوبا بحبّ عليّ و أبنائه، و لكن دون أن يكون ذلك الحبّ متحيّفا لمقام أحد من الصّحابة.
و قد سئل ذات مرّة أن يذكر للنّاس شيئا من مقتل الحسين، فصعد المنبر و جلس طويلا لا يتكلّم ثمّ وضع المنديل على وجهه و بكى بكاء شديدا، و ردّد بيتين من الشّعر، و نزل عن المنبر و هو يبكي، و صعد إلى الصّالحيّة و هو كذلك[١].
و هذا الحبّ الجياش ربما كان هو الدّافع إلى كتابة مثل ذينك الكتابين المذكورين آنفا، فقد كانت قضيّة الحسين- فيما يبدو- هي الدّافع الأكبر لمثل هذا التّوجّه، و تلك قضيّة لم تشغل ذهنه و حسب بل شغلت ذهن جدّه من قبل، فقد كان ابن الجوزي الجدّ يقول في بعض مجالسه: «لا تدنّسوا وقتنا بذكر من ضرب بالقضيب ثنايا كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم يقبّلها»، و كان مقتل الحسين يعترض تفكير السّبط في مواطن كثيرة، تذكّر أنّ سكّين إبراهيم لم تقطع حلق ابنه لمّا قدّمه للذّبح فتساءل:
كيف تمّ ذلك، و قطعت حلق الحسين؟ فأجاب على ذلك بعدّة أجوبة محتملة، منها:
أنّ الذّابح للغلام كان شفيقا و الذّابح للحسين كان عدوّا، و العدوّ ما في قلبه رحمة الوالد ...[٢].
أقول: أوّلا: ما اتّهم به من الترفّض و التّشيّع من قبل الذّهبي تعنّت و تطرّف في الحكم عليه، إذ لم يأت السّبط بشيء تفرّد به عن غيره من علماء السّنّة، فقد سبقه إلى ذلك الكثير من أعلام السّنّة، مثل الشّافعي، و أحمد، و أبي حنيفة، و النّسائي، و الحاكم، و غيرهم، و سار على أثرهم جماعة منهم إلى يومنا هذا.
قال الشّافعي:
[١] - البداية و النّهاية لابن كثير ١٣/ ٢٠٧.
[٢] - مقدّمة السّفر الأوّل من مرآة الزّمان ص ٣١- ٣٢.