تذكرة الخواص من الأمة بذكر خصائص الأئمة - سبط ابن الجوزي - الصفحة ١٢ - ١ - حياته الشخصية و العلمية و الاجتماعية
شعبان غادر حرّان يؤمّ الرّقّة، فاعتكف في خانكاه هناك، و لم يلبث أن جاءه المعظّم و الأشرف إلى الرّقّة فزاراه، ثمّ غادر الرّقّة إلى بغداد، و من هناك إلى مكّة، و تلك هي حجّته الثّانية، إلّا أنّه في هذه المرّة عاد عن طريق العلا[١] و تبوك، و جمع بين زيارة قبر النّبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلم و بين زيارة الخليل في المحرّم من سنة ٦١٤ ه.
و في سنة ٦١٤ ه انتهت هدنة كانت معقودة بين المسلمين و الفرنج، و جاء العادل من مصر بالعساكر الشّاميّة إلى بيسان، و زحف الفرنج من عكا و ضايقوا العادل، فأخلى بيسان و ارتفع إلى عجلون، فاستولى الفرنج على ما في بيسان من أسواق و غلال و مواش، و مضى المعظّم فنزل على عقبة اللّبن بين نابلس و القدس خوفا على القدس، و كلّما تحرّك الفرنج في اتّجاه تحرّك العادل في موازاتهم دون أن يستطيع تحقيق شيء، فنزلوا تحت الطّور حتّى ألصقوا رماحهم بالسّور، فخرج إليهم المقاتلة و أبلغوا في الاستماتة حتّى صدّوهم.
و في السّنة التّالية (٦١٥ ه) نزلوا على دمياط، فاضطرّ العادل أن يأمر بهدم التّحصينات في الطّور، رغم تضايق المعظّم من ذلك، و يوجّه من فيه من أبطال المسلمين لمساعدة إخوانهم في دمياط.
و كان تخريب الطّور بداية لسلسلة من أعمال التخريب خضوعا لسياسة لجأ إليها ذات يوم صلاح الدّين حين خرّب عسقلان، فقام المعظّم بتخريب بانياس و تبنين خوفا من استيلاء الفرنج عليهما.
و أمر في سنة ٦١٦ ه بتخريب القدس، فشرعوا في تخريب السّور أوّل يوم من المحرّم، و خرج النّاس نساء و رجالا من جميع الأسنان إلى الصّخرة و الأقصى، فقطعوا شعورهم و مزّقوا ثيابهم، ثمّ تولّاهم الفزع و تمزّقوا في كلّ وجهة، فبعضهم توجّه إلى مصر، و بعضهم إلى الكرك، و بعضهم إلى دمشق، و مات خلق كثير من
[١] - العلا: اسم لموضع من ناحية وادي القرى، بينها و بين الشّام.« معجم البلدان ٤/ ١٤٤».