محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٩ - الخطبة الأولى
( (وَ اللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ)) يمكن ان يحسن أحدنا لصاحبه، لكن صاحبه ولملابساتٍ خاصة يسوء ظنه فيه، فيحمل إحسانه على الإساءة، ويقابل ذلك الإحسان بما هو على خلافه، وقد يسعى الساعون مخلصين لكبار الناس، وللسلاطين في الناس، للدول في الأرض، قد يسعون مخلصين من اجل هذه العلاقة من اجل ما تدره من ربحٍ في نظرهم، إلا ان السلطان لا يعلم الغيب، والغني لا يعلم الغيب، وصاحب الجاه لا يعلم الغيب، وقد تنعكس صورة هذا الإنسان المخلص في نفس معبوده إلى الخلاف، إلى العكس، فتأتيه الضربة قاسيةً موجعةً لا تبقي عليه خيرا.
أما الله عز وجل، فإن الآية تقول ( (وَ اللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ)) لأنك إذا اتقيت فتقواك محفوظة، إذا أحسنت إحسانك محفوظ ( (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ))، ( (الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَ اتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ)) .. ما حدود هذا الأجر العظيم؟ ... مسكوتُ عنه، أهذه العظمة تقدير بشر؟ تقدير نبي؟ تقدير ملك؟ .. لا بل هذه العظمة تقدير الله، الله عز وجل يصف هذا الأجر بأنه أجرُ عظيم، وهو أكر م الأكرمين. ليست له حدود نعرفها، ليس له مستوى يمكن أن ندركه ... لمن، ( (للذين احسنوا و اتقوا)).
ثم أن التقوى تورث رضوان الله- كما سبق- وتوصل إلى معرفته، وكل المعرفة توصليةُ كما يقولون، يعني إنما تطلب من أجل غرضٍ آخر، أي معرفة من المعارف عند البشر يعتبرونها طريقة توصلية، بمعنى أنها تؤخذ وصلةً لغرضٍ آخر هو المنظور إليه أساسا وفي ذاته، أما هذه المعرفة فليست مطلوبة جِسرا، ومطلوبة وصلةً، إذ أن ومعرفة الله ليس من بعدها غرضُ يطلب، فهي غرضُ في نفسه، وهي أجلّ المعارف، وأجلّ ما في حياة الإنسان، وكمال الإنسان يقاس بمدى معرفته بالله سبحانه وتعالى، معرفةً يعيشها العقل ويحتضنها الوجدان، وتتنور بها النفس، وتترقى بها الذات على مسار الكمال.