محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٦٠ - الخطبة الأولى
على المستوى المعيشي والاقتصادي، ولكنها كانت في تخلف شديد، وإسراف كبير من ناحية البعد الإنساني، وبعد الروح في الإنسان، والإنسان بروحه لا ببدنه أيها الأخوة والأخوات، البدن من تراب وسيتحول إلى تراب، البدن يأكل الحيوان، وسيأكله الحيوان وأخسه الدود، ومن رأى أن قيمته في البدن فهو يضع نفسه على صعيد واحد مع الحشرات ومع الديدان، والديدان أكبر منه لأنها ستأكله، الإنسان بروحه، الإنسان عملاق حين تتعملق روحه وذاته الإنسانية، الإنسان كبير حين يمتلك عقلًا متفتحاً، يمتلك رؤية ممتدة دائمةً على عدل الله ولطفه وقدرته وإحسانه عدله وحكمته، الإنسان هو ذلك الشعاع المتعلق بنظر دائم إلى عظمة الله، الإنسان هو ذلك الإنسان القبسة من نور الله التي إذا ما انطفأت في ذاته أنطفأ كل شئ من كرامته ووزنه الكبير.
على هذا من يمثل المسلم الحقيقي على المستوى السياسي؟ هل تمثله الفئات المادية والتي لا تملك مطلباً إلا على مستوى المادة؟ وإذا أخلصت لندائها فهي إنما تخلص لنداء مادي بحت يركض وراء الشهوات، ووراء إشباع البطون. المسلم الحقيق الذي يمثله سياسياً هو هذا النمط من التكتلات والفئات أم أن الذي يمثله هو الإنسان المسلم الحقيقي وعياً ورشداً وتوجهاً هدفاً وقيمةً ودوراً ورسالة، هم الرسالتيون، هم المبدأيون، هم الذين يقدمون المبدأ على كل شئ، ولا يبيعون الذي هو أغلى بالذي هو دون، لا يقنعون برفاه اقتصادي يحطم في الشعوب الروح ويحطم في الإنسان قدسيته، نعم هم يطالبون بالتحسن الاقتصادي، ويطالبون بالتقدم المعيشي، ويطالبون بكل حق من حقوق البدن، لكن لا على حساب الروح، إنهم يقدمون اطروحة منتظمة، منظومة من الأسس، منظومة من الخطوط العريضة ثم التفصيلية التي تنسجم مع حاجات الروح وتنسجم مع حاجات البدن، لتدخل بالانسجام على الأمة كل الأمة على المجتمع على الأسرة على النفس في داخلها، والتمزق هو نصيب الأمة وهو نصيب الشعوب، وهو نصيب الأسرة، وهو نصيب النفس