محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٩٥ - الخطبة الأولى
وتزكيتها، فليس يبقى لنا من الدنيا إلا أنفسنا بنيناها أو هدمناها، نميَّناها وزكيّناها أو هبطنا بها ودسيّناها. فإصلاح المرء ما هو غيره مع فساد نيّته، وسوء سريرته إصلاحُ لذلك الشيء الذي لا يبقى له، وتحطيم لنفسه التي لا تنفك عنه، وترد لذاته التي بها يُسعد أو يشقى، وقد اختار لها بما أساء إليها وظلمها الشقاء والجحيم. إن الفلاح كل الفلاح في تزكية النفس وترويضها على التقوى، والأخذ بها على طريق الطاعة والهدى، وإن أفدح الخسران، وأشد الخيبة في سقوط النفس وعماها. إثراء النفس هو الإثراء، وخواؤها هو الخسارة الكبرى ( (قد أفلح من زكّاها وقد خاب من دسّاها)) ٩- ١٠ الشمس/ ويا أيها الإنسان الموّدع للدنيا، السائر على طريق الآخرة كنت في غضارة الشباب أو زهرة الصبا، أيها القادم على الرحلة الكبرى إن الزمن يحملك سريعاً إلى هناك .. إلى عالم المساءلة والمحاسبة والمجازاة وإن كل نَفَسٍ من أنفاسك خطوة إلى المستقبل المحتوم، واليوم الذي لا يفر منه ... لا تدري ما المسافة بينك وبين يومك الموعود كم يوماً هي الفاصلة عن عتبة القبر والآخرة .. كم هي الأنفاس المتبقية ... كم كسوةً .. كم لقمةً .. بقيت من نصيبك في الدنيا، متى ينادى بك إلى الرحيل فلا تملك أن تتأخر ولو بمقدار طرفة عين .. يا هذا الإنسان .. يا هذا المحمول على كتف الليالي والأيام التي لا تفتر حركتها ولا تتوقف في سيرها أبداً لا يكن نظرك إلى ما تستدبر، وليكن نظرك إلى ما تستقبل، ولا تجعل أمانيك تتجه إلى الخلف فالخلف في الدنيا أنت عنها في ادبار .. ما احراك أن تتجه بأمانيك إلى الأمام إلى حياة أخرى أنت منها في اقتراب .. حياة تبقى وتدوم .. إذا بنيت في الدنيا فلا تبني لها، وإنما وأنت تبني فيها فليكن هذا البناء من العمل الصالح الذي تشاد به الآخرة، ولا غضاضة أن يكون مما يعين في الدنيا إذا كان من النظيف الطاهر الحلال، وكنت تريد به التَقَوّيَ لعمل الآخرة، من دون أن تستغرق في الدنيا، وتعيش في الآخرة، من دون أن تستغرق في الدنيا، وتعيش بكل مشاعرك فيها، وتعطيها كل جهلك وهمّك، والساعات