محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٣٢ - الخطبة الأولى
فالشكر من الناس، أصحاب الوعي، أصحاب الوجدان السليم، أصحاب الذوق الرفيع، أصحاب الرؤية الصادقة: (إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ) يونس/ ٦٠، (وَ لا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ) الأعراف/ ١٧، (اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ) سبأ/ ١٣.
الآية الأخيرة تقول" وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ" هم عباد، رضوا أم أبوا، هم عبيد أقنان مملوكون، من أول ذرة في وجودهم إلى آخر ذرة، ومن أصغر جسيم في الذرة، وحتى الأخير من مكونات ذرات وجودهم، مع كونهم عبيداً له أنفاسهم بيده، وجودهم من صنعه ومدده، إلا أنهم مع ذل قليل منهم من يشكر! وهذه هي نهاية الجحود، وهذه هي الغاية في التنكر للجميل، مَا من لحظة، من لحظات وجودنا، إلا ونحن نستعطي هذا الوجود من الله، إلا ونحن نتلقى هذا الوجود من الله فإذا كان وجود اللحظة مملوكاً لله سبحانه وتعالى، أو هو من عطاءه وأنا أستعمله في نفس اللحظة في معصيته، فهل أكبر من ذلك من جحود، ومن تنكر للجميل؟!
لماذا هم القليلون الذين يشكرون الله سبحانه وتعالى؟ إما أن يكون القليلون الذين يشكرون الله سبحانه وتعالى هم الغَفَلةُ، هم السَّفَلةُ، هم دونيو الخلق، أصاغر الناس، وهذا لا يرضاه عاقل، وإما أن يكونوا هم النخبة الصفوة، وهذا هو المتعين، فالشكر لله عز وجل يحتاج لنفس واعية، إلى قلب مفتوح، إلى عين تبصر، إلى بصيرة سليمة، إلى ذوق صحيح، إلى وجدان سليم، حتى يرى النعمة نعمةً ويرى المُنعم منعماً، والذي لا يشكر معناه أنه بهيمة لا يشعر بما يُعطى لا يشعر بأنه يسترفد لا يشعر بأن وجوده من الله، لا يشعر بأن أثره من الله، لا يشعر بأن حياته من الله، فهو سائمة لا يملك أن يعي، لا يملك أن يرى، لا يملك أن يفهم ويستوعب.
الشكر استزادة للنعم: