محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٣٤ - الخطبة الأولى
" تمام الشكر اعتراف لسان السرّ خاضعاً لله تعالى بالعجز عن بلوغ أدنى شكره لأن التوفيق للشكر نعمة حادثة يجب الشكر عليها" [٣].
درجة عالية من الشكر ولا يتم الشكر الحقيقي إلا بها، هي هذه الدرجة، أن أعترف في الداخل أن تخضع طويتي، ونفسي وسريرتي وقلبي وخلجات نفسي، أن تخضع وتعترف لله سبحانه وتعالى بالعجز عن بلوغ شكره، كيف أشكر الله عز وجل وأنا لا أشكره إلا بإحسانه حين يوفقني للشكر أشكر، شكري متوقف على أن يوفقني للشكر، فعليه ما من شكر إلا ويستحق الشكر، فإذاً لا مخرج من واجب شكر الله سبحانه وتعالى أبداً، على أنك تصلي لله بمَ؟ وتصوم بمَ؟ وتقول الحق بمَ؟ كل ذلك بفضل الله وتوفيق الله ومدد الله، وبنعم الله، هذه الدرجة هي درجة الاعتراف لله عز وجل بأني عاجز عن شكره، وراءها خلفية فكرية وشعور نفسي بنعم الله عز وجل وأني مستغرق في هذه النعم وأن كل خير بيدي إنما أصله الله عز وجل وهي نظرة تنصرف بهذا العبد عن كل المخلوقين إلى الله، تتجاوز إحسان الآباء، والأمهات والمعطي إلى عطاء الله ورحمته لأن ما من شيء في هذا الكون إلا منه وبعطائه.
" شكر المؤمن يظهر في عمله وشكر المنافق لا يتجاوز لسانه" [٤] وسيأتي أن هناك شكراً باللسان وأن درجة من الشكر يمكن أن يتحقق بالنطق والكلمة لكن هذا الشكر لن يصدق حتى يسايره العمل، وقد ضربت المثل في أول الحديث، وأن الشكر اللساني حين يخالفه العمل إنما يكون من ضرب الاستهزاء، ولا يكون الشكر الجاد فالمنافق يظهر الشكر لله عز وجل بلسانه ولكنه في مقام العمل يخالف إرادته وتشريعه، فلا تدخل أيها الأخوة تحت عنوان النفاق من خلال مخالفات كثيرة متعددة متواترة في يومنا وليلتنا لأوامر الله ونواهيه. صورة أخرى" شكر كل نعمة الورع عما حرم الله" [٥]، وهو موقف عملي في صورة سلبية، تتمثل في التوقف عن المحرمات وخوف الله وهذه الصورة السلبية وراءها