محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٧١ - الخطبة الأولى
أما بعد فتعالوا مع دروس من كتاب الله الكريم نستلهمها من هذه الآيات المباركة. ( (وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)) ١٢٧ البقرة.
هناك من يشيد صروحاَ من البناء المادي الرفيع قصورٌ وناطحات سحاب إلا أنها تذهب هباء الرياح، وذلك قد يكون عملا باطلا على الشخص لا للشخص وعلى الأمة لا للأمة، إبراهيم لم يقم قصراً منيفاً، ولا عمارةً شامخة، ولا ناطحةً من ناطحات السحاب، أقام بنيةً عاديةً في مستواها المادي، هذا العمل استحق من الله التنويه به، وأن يبقيه ذكراً خالداً بعد أن كان قيمةً عالية عنده سبحانه وتعالى وهو الأهم. وإذ يسوق الله تبارك وتعالى الأعمال الجهادية للأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، إنما يسوقها آياتٍ بينات وحججاً قائمةً على العباد الذين منها أولئك الأنبياء والمرسلون ومثلهم الأولياء والصالحون، الذين استطاعوا أن يتسلقوا إلى قمة الكمال على مستويات.
هنا درس، اكثر من درس ( (وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا ..)) هذا هو القصد الأول عند إبراهيم عليه السلام، هو يقوم بعمل صالح، ولكن القيام بالعمل الصالح في نفسه لا يكفي للقربى، لا بد أن يكون القصد صالحاً أيضاً، لكي نتقرب من الله، لابد من عمل صالح ونية صالحة، لابد من عمل إيجابي وقصد سليم وراءه، فبالتدقيق فإن صلاح العمل حين يكون قابلًا للصلاح لايتم فعلا إلى بالنية الحسنة.
( (رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)) إبراهيم عليه السلام يعرف من نفسه أن قصده كان مما يصلح أن يتقرب به إلى الله، ولذلك عوّل على علم الله سبحانه وتعالى في تقبّل ما وراءه من قصد خالصٍ لوجه الله الكريم، وربما أن في الآية شمةَ تهمةٍ للنفس وعدم التزكية لها، ذلك لأن إبراهيم عليه السلام وهو يرى من نفسه أن قصده خالصٌ لوجه الله، إلا أنه ربما اتهم بواطن النفس وما في قعر النفس، وما وراء ستورها بأن فيه شيئاَ مما