محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤١٣ - الخطبة الأولى
استعدادات كمالية في بداياتنا:
نحن جئنا الحياة بوزن- أيها الأخوة- وسنخرج من الحياة بوزن، جئنا بوزن فيه الاستعداد للعلم الحق، للمعرفة الكاملة، لمعرفة لها درجة من الكمال بالله سبحانه وتعالى. جئنا باستعداد أن نكون أنفساً طاهرة، أن نكون عقولًا نيرة، أن نتقيد بالعلم، أن نأخذ به في كل المواقف، أن نصدق أن نكون أمناء، أن نتحمل دوراً خلافياً كبيراً في الأرض، جئنا نحمل هذه الاستعدادات التي تجعلنا على طريق معرفة الله قريبين من رحمته محلًا لألطافه سبحانه وتعالى، قد نخرج من هذه الحياة بعد أن كنا استعداداً لما مر شيئاً فعلياً وشيئاً قائماً وشاخصاً من كل ما مر- أي بعد أن كنت مستعداً لمعرفة الله، صرت فعلًا أعرف الله، بعد أن كنت مستعداً لأن أكون القوي في المواقف كلها من أجل الله، صرت القوي فعلًا في المواقف من أجل الله.
وجودات رحمانية أو شيطانية في نهاياتنا:
قد يخرج أحدنا بهذه الفعلية الكبيرة، بهذا الوزن الثقيل، فيكون موقعه في الجنة عاليا، وقربه من الله عز وجل شديدا، وقد تتحول هذه الاستعدادات إلى درجة الصفر، وتكون الفعلية كلها من نوع استعدادات أخرى، الإنسان كما يأتي الحياة وهو يحمل استعدادات أن يكون قريباً من الله، أن يكون الإنسان المتكامل، أن يكون القلب النقي، أن يكون العقل النير، أن يكون القصد الخير، فيه استعداد أن يكون وجوداً الشر كله، وجوداً هداماً، وجودا عدوانياً، وجوداً مفسداً، وجوداً شيطانيا، أحدنا يخرج من هذه الحياة أقرب ما يكون عبداً للرحمن، وآخر يخرج من هذه الحياة أقرب ما يكون إنسان بعد إنسانية للشيطان، تتحول استعدادات الخير فيه إلى درجة الصفر، تتحول استعدادات الشر فيه إلى فعلية صارخة قوية، إلى شر فضيع، فيخرج من هذه الحياة شراً، وليس للشر مكانٌ إلا