محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٣٩ - الخطبة الأولى
الإنسان عن مسارها الصحيح وتستهلكه في بوتقة الدنيا وتحطّم إنسانيته المشكلة الاقتصادية التي تقسم الناس في الغالب إلى غنّي متبذخٍ مستكثرٍ متطاولٍ بأمواله مستهلكٍ لها، ساقطٍ ضحية في جسمه وروحه وإنسانيته لبريقها، وفقيرٍ منسحقٍ يستذله فقره ويوهنه عظمه، ويٌسقط إنسانيته، ويهدر كرامته ويقتل مواهبه وإبداعاته.
وتقوم المشكلة الاقتصادية على نظامٍ اقتصادي يصنعه الأقوياء، ويسمح بسرقة القوي مال الضعيف، ومحاصرته بشبكةٍ من القوانين التي تكبلّهٌ دون بناء نفسه، وتبقيه دائماً ضعيفاً إلا في مقدار من قوته العضلية مما هو ضروري لتمشية سياسة الغني وخدمة مصالحه الاقتصادية، وذلك في الوظيفة التي تتطلب جهداً عضلياً لا تمتلك توظيفه في المكان المناسب ثيرانٌ ولا آلة.
الإسلام وهو يريد أن يحافظ على إنسانية الإنسان وينميها ويزكيها لا يمكن له على عدله وحكمته أن يتفرج على مشكلة هذا الانقسام الخطير في مجتمع الإنسان إلى غنيٍ يفسده غناه المسروقُ من جهد الآخرين وحصصهم في المال العام، وإلى فقيرٍ يذلهُ فقره ويُزريه بذهاب حقه في جيوب الآخرين الذين ينصبون من أنفسهم آلهةً زائفةً له، وموقف الإسلام من المشكلة الاقتصادية كأي مشكلة أخرى تؤثر سلباً على هناءة الحياة عند الإنسان وتحوّلها عن مسارها الصحيح ليس موقفاً سطحيّاً ومعالجته لمختلف المشاكل ليس معالجةً انفعالية. وإنما تأتي هذه المعالجات أنظمة تفصيلية دقيقة تتناسق وتتكامل في صورة منظومة متناغمة ومتلاقية على هدف واحد كبير هو صناعة الإنسان، وتزكية الحياة، والأخذ بهما في معراج الكمال الإلهي الذي لا ينقطع. وليس المطروح في خطبةٍ ولا كتابٍ واحد وحتى لأكبر المختصين من فقيهٍ منظّرٍ حاذق، واقتصاديٍ إسلامي بارع النظام الاقتصادي الإسلامي المتكامل، فهو جهد يحتاج إلى كثير من المختصين المتضلعين في الفقه والاقتصاد ممن لهم صبرٌ طويل على البحث ورؤية ثاقبةٍ وتقوى من الله العظيم.