محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٧١ - الخطبة الأولى
في المدينة لأمر مهم، يضاف إلى ذلك الغزوات التي تولّى قيادتها بنفسه عليه السلام.
والجهاد عند أمير المؤمنين (ع) ليس ضرباً من الهواية العسكرية، أو اندفاعة من الجرأة الهائلة المفصولة عن قيم الروح وقضاء العقل وسمو الغاية، فمن كلماته المنقولة في هذا الصدد (الجهادَ الجهادَ عباد الله ألا واني معسكر في يومي هذا فمن أراد الرواح إلى الله فليخرج) الجهاد عند أمير المؤمنين رواح إلى الله، الجهاد ليس قتل عدو، المنظور ليس التشفي، ليس النصر، ليس أي شئ آخر. منظوره (ع) نصرة الله، نصرة كلمة الله في الأرض، وهذه الاندفاعة منه التي لا تلوي على شئ في طريق الجهاد، والتي لا تتراجع أمام أي خطر أو تحد من منطلق دافع واحد. ذلك أن هذا الجهاد رواح ورحلة روحية وقلبية وجدانية إلى الله. قلب علي (ع) في الجهاد، لا يشغله شئ مما يشغل ملايين القلوب في تلك اللحظات من أسباب الأرض، وأهداف الأرض، وحسابات الأرض. لا يشغل قلبه (ع) ألا أنه في رواح إلى الله، وفي رحلة إلى الله، فالجهاد الذي يستهوي ذلك القلب التقي والشخصية الثقيلة والعقل الجبّار، هو ما كان رواحاً لله، وعروجاً روحياً على طريق كماله، وباباً من أبواب جنته، وهو القائل (ع) أما بعد .. (فان الجهاد باب من أبواب الجنة، فتحه الله لخاصة أوليائه، وهو لباس التقوى، ودرع الله الحصينة وجنته الوثيقة). هذه قيمة الجهاد عند أمير المؤمنين (ع): كونُه طريق إلى الجنة، باب من أبواب رضوان الله، لباس التقوى، فيه تركيز للتقوى، فيه عروج إلى الله، درع حصينة تحمي من الشيطان، وتحمي الأمة، جنة وثيقة من دخلها لم تهجم عليه وساوس الشيطان. من دخلها لله سبحانه وتعالى، لم تهجم عليه هواجس الشيطان.
أما السياسة عند أمير المؤمنين (ع) فهي فن وخبرة وذكاء وفطنة، لكن بلا غدر ونفعية وتلاعب بالقيم، وذبح للمقدسات (قد يرى الحوّل القلّب (البصير بتحويل الأمور وتقليبها) سياسي ماهر جدا يعرف المداخل والمخارج ويستطيع أن يفسّر الناحية الموضوعية ويبني