محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٨١ - الخطبة الأولى
محمد وآله الطيبين الطاهرين.
عباد الله اتقوا الله الذي خلقكم من بعد العدم، ورزقكم من بعد الفاقة، وهداكم بعد الضلالة، ومنَّ عليكم بولاية أنبيائه ورسله وأوصياء رسله وأوليائه، وهي أكبر النعم، وأعظم المنن لا ينالها إلا من أحب الله، وأراد له الكرامة والسعادة، وأحرصوا كل الحرص على أن لا تخسروها فتخسروا أنفسكم وتنحطّوا من المنزلة الّتي كرّمكم الله بها، ووفقكم إليها ذلك بمجانبة المآثم، والتجافي عن المحارم.
أما بعد فإن أغلى ما على الإنسان نفسه، ولا يسأل عنها أحد مثله، ولا يعاني غيره من ضرها كما يعاني، ولا ينال احدٌ خيرها وسعادتها كما ينال. ولا يصل امرءاً من صلاح ما ملكت يداه، أو يدا غيره ما يصله من صلاح نفسه. وسيتجلى لكل واحد إن لم يعرف اليوم أنه نفسه لا أنه هي مضافاً إليها أشياؤه، كما سينكشف له أنه ليس هذا البدن الذي قد يسعى من أجله عمره كله، وإنما هو روحه بما فيها من نور أو ظلمة، وبما يطفي عليها من خير أو شر، وما يغلب عليها من حيوانية بهيمية أو معرفة إلهية، وخلق ملائكي كريم. ومن غريب الأمر أن تكون عناية الإنسان بغنمته وبقرته أكثر من عنايته بنفسه، وقد يطال اهتمامه بدنه، وكل أشيائه إلا حقيقته ونفسه التي بين جنبيه، فيقضي حياته مشغولًا عنها، مهملًا لها لتميع وتضيع، أو تكون مطمورة تحت الركام ضامرةً إلى حدّ الذوبان، فيجدُ نفسه في آخر المطاف كتلة ضئيلة من المادة ضعضعها الزمن، وذرات ضائعة في الكون بددها طول الأمد، وروحاً حقيرة لا تجامعها روح الحيوان حقارة، وضيعةً من وضاعة أهل النار والعذاب والشقاء.
وهذا ظلم للنفس يفعله الإنسان بنفسه في هذه الحياة مسروراً مغروراً مبهوراً بما يراه خيراً وتقدماً وسعادةً في الطريق المعاكس لطريق الله سبحانه، وقد لا يفيق من سكرته التي صار إليها بارادته حياته كلها حتى لا ينفعه ندم، ولا تبقى في يده فرصة بل عدم.