محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٨ - الخطبة الأولى
في الأرض، يستمد كل حركة وسكون في هذا الدور من إرادة الله سبحانه وتعالى، الإرادة التشريعية، إرادة الأمر والنهي لله سبحانه وتعالى، هذا الدور يأبى للإنسان المؤمن أن يذوب في الدنيا، أن تستغرقه مشاغلها، أن تستوعب حياته، فكره، قابلياته، طاقاته، لذ ائذها، وشهواتها.
لا يكفي للمؤمن أن يترفع على الحرام، ثم يتحول عبداً للشهوات المحلله بحيث تتلخص حياته كلها في أن يعيش اللذة وإن كانت هذه اللذة من الطريق الحلال، المؤمن مسؤول أن يكون له دور في هذه الحياة، أن يكون له تأثير أن يشهد هذا العالم منه تغييراً نافعاً، وتحويلًا للصيغة التي يعيشها إلى خطاً اكثر تقدماً وأكثر عطاءاً وأكثر هدى وإشعاعاً، دعوة أن لا يذوب المؤمن في هذه الحياة الدنيا، ويتحول إلى هباءةٍ ضائعة أمام مشاغلها، دعوة قرآنية جادة ثابتة على مر الأجيال وهي من صلب التربية الإسلامية وصياغة الإسلام لفكر الإنسان المسلم ونفسية هذا الإنسان،
(أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ) لا شك في أن الانصراف وراء اللذة المباحة والمحرمة ملهاة، تصرف عن الهدف، والهدف أن يصنع الإنسان نفسه صنعاً يرضي الله وأن يصنع هذه الحياة على خط مرضٍ لله وأن يغير ما استطاع مما في نفس الغير وهو يغير مما في نفسه بما يرضي الله سبحانه وتعالى، هذا الهدف اللذة المحرمة تصرف عنه وتنتهب حياة الإنسان وتغتصبها دونه، فيخرج من هذه الحياة من غير أن يحقق هدفها بل تمثل هذه الحياة في وجوده على أهميتها تراجعاً في مستواه وتقهقراً في إنسانيته، ليس هذا فقط، ليس مما يحول الإنسان قطعاً عن مساره الصحيح هو اللذة المحرمة فقط، اللذة المحللة الاستغراق في المساكن، في الأزواج، في الأموال، في الممتلكات، في الشهرة الاجتماعية، في طلب المناصب السياسة، هذا كله يستهلك الإنسان وكله يصرفه عن هدفه ويحوله إلى العوبة بكف الأهواء من بعد حين، فما يرفض في الإسلام ليس أن يستغرق أحدنا