محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٧ - الخطبة الأولى
الله، والخير كله بيد الله، ولا دافع لشرٍ دون الله، ولا محقق لنفعٍ سواه.
والتقوى تورث سعادة الأبد ( (قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَ رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَ اللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (١٥) آل عمران- للذين اتقوا جزاءات وافرة، وكرامات رفيعة، ومنازل عند الله، على عظمتها وعلى جلالها، تُشترى ببعض من الصبر في قليل من الحياة، تُشترى ببعض الصمود في هذه المدة القصيرة من وجود المرء، إن وجودنا لمستطيل، إن وجودنا الكوني لا ينقطع، ونحن في هذه المرحلة من وجودنا مرحلة ما نسميه بالحياة الدنيا، هذه المرحلة قصيرةٌ جداً في عمر الأبد، ووجودنا ممتدٌ مع الأبد ونستطيع أن نشتري سعادة الأبد بهذه الفاصلة الصغيرة، والمسافة القصيرة، بصبرٍ فيها، بمجاهدة فيها، بطاعةٍ لله سبحانه تعالى، وجهادٍ في سبيله، بهذا تستطيع أن تشتري سعادة الأبد التي لا انقطاع لها ولا توقف.
( (قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ)) هذه واحدة، أنت هنا تصرف نصف العمر، وأكثر من نصف العمر، لتبني بيتاً تفارقه، بيتاً من حجارة وأسمنت أو طين، لا يدري الإنسان أيسعد فيه أم يشقى، وبالتقوى تشتري جناتٍ تجري من تحتها الأنهار، هنا تصرف نصف العمر وقد يكون العمر كله في بناء بيتٍ يعقبه انقطاع، يأتي عليه خسف، تأتي عليه زلزلة، يأتي عليه قصف، يعيش فيه الإنسان مريضاً أو سقيماً، وقد يغادره قبل تمامه، وقد يسكنه بعد تمامه أياماً ليعيش حسرة فراقه، إن كان له توجه حينذاك بعد مشغوليته بما يرى من أهوال الآخرة، إن كان له توجهٌ والتفاتُ إلى الدنيا.
أما التقوى فتورثك جنات تجري من تحتها الأنهار، لا نعرف من حقيقتها إلا العنوان، أما حقيقتها فهي فوق ما نتصور، وفوق خيالنا، فوق إداركنا.