قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٩٠ - شرح مقام الرجاء و وصف الراجين و هو الرابع من مقامات اليقين
الغيوب. فسبحان من لا نهاية لقدرته و لا حدّ لعظمته و لا أمد لسلطانه. و كذلك شهدوا ما سمعوا من قوله عزّ و جلّ: إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً [الإسراء: ٤٤]. و قال: وَ كانَ الله عَلِيماً حَلِيماً [الأحزاب: ٥١]. فعلموا أن المغفرة على سعة الحلم، كما أن الحلم سعة العلم. فلما رأوا عظيم حلمه رجوا عظيم مغفرته. و لما شهدوا كثيف ستره أملوا جميل عفوه، و كذلك يقال: إن حملة العرش يتجاوبون بأصوات سبحانك على حلمك بعد علمك. سبحانك على عفوك بعد قدرتك. فللراجين من العارفين فهو من السمع للكلام نحو علوّ نظرهم عن سموّ علومهم بمعاني الصفات. و كل صاحب مقام يشهد من مقامه و يسمع من حيث شهادته، فأعلاهم شهادة الصديقون، ثم الشهداء ثم الصالحون، ثم خصوص المؤمنين. فبه تبارك و تعالى استدلوا عليه، و منه إليه نظروا. هم درجات عند الله و الله بصير بما يعلمون. و كان سهل رضي الله عنه يقول: المحسن يعيش في سعة الرحمة و المسيء يعيش في سعة الحلم. و صفاته تبارك و تعالى كاملات. فمن شهد ترجيح بعضها على بعض دخل عليه النقص من مشاهدته لقصور علمه عن تمام علم من فوقه من الشهداء، و لأجل مقامه المراد به دون طريق الصدّيقين من الأقوياء. فعاد ذلك على العبد فصار ذلك مقاما له في القرب و البعد تعالى وصف المشهود عن النقصان و الحدّ. و مثل الرجاء من الخوف مثل الرخصة في الدين من العزائم. و قد قال رسول الله صلّى الله عليه و سلم: إن الله يحبّ أن يؤخذ برخصه كما يحبّ أن يؤخذ بعزائمه. و في لفظ آخر أبلغ من هذا: و أؤكد أن الله يحب أن يقبل رخصه كما يكره أن يؤتى معاصيه. و روي عن النبي صلّى الله عليه و سلم: إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق: و لا تبغض إلى نفسك عبادة الله تعالى، و خير الدين أيسره. و قال هلك المتعمّقون، هلك المتنطّعون. و قال عليه الصلاة و السلام: بعثت بالحنيفية السهلة السمحة. و قال صلّى الله عليه و سلم: أحبّ أن يعلم أهل الكتاب أن في ديننا سماحة، و قال الله عزّ و جلّ: وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف: ١٥٧]. و استجاب للمؤمنين في قولهم: ربّنا و لا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا. فقال عزّ و جلّ: قد فعلت، فهذه العلوم هي أسباب قوّة الرجاء في أولي الألباب كيف و قد جاء ما يغلب حكم الرجاء من غير اغترار ما روي عن الله تعالى أنا إلى الرحمة و العفو أقرب مني إلى العقوبة. و في الخبر: إذا حدثتم الناس عن ربهم فلا تحدثوهم بما يفزعهم و يشق عليهم، و في كلام لعلي رضي الله عنه: إنما العالم الذي لا يقنط الناس من رحمة الله تعالى و لا يؤمنهم مكر الله تعالى. و أوحى الله سبحانه و تعالى إلى داود عليه السلام: ما لك وحدانيّا؟ قال: عاديت الخلق فيك. قال: أما علمت