قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٧٦ - الفصل السابع و العشرون فيه كتاب أساس المريدين
أظن ليل هؤلاء ليل سوء ما يقيلون و في الخبر قيلوا فإن الشياطين لا تقيل و استعينوا على قيام الليل بقائلة النهار و قد قيل في قوله عزّ و جلّ: وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ [البقرة: ٤٥] قيل بالصوم على قيام الليل و قيل: استعينوا بالجوع و صلاة الليل على مجاهدة النفس و قيل: استعينوا بالصبر و الصلاة على اجتناب النهي. و أما الصمت فإنه يلقح العقل و يعلم الورع و يجلب التقوى و يجعل الله عزّ و جلّ به للعبد بالتأويل الصحيح و العلم الرجيح مخرجا و يوفقه بإيثار الصمت للقول السديد و العمل الرشيد. و قد قال بعض السلف: تعلمت الصمت بحصاة جعلتها في فمي ثلاثين سنة كنت إذا هممت بالكلمة تلجلج بها لساني فيسكت. و قال بعضهم: جعلت على نفسي بكل كلمة أتكلم بها فيما لا يعنيني صلاة ركعتين فسهل ذلك عليّ فجعلت على نفسي بكل كلمة صوم يوم فسهل عليّ فلم أنته حتى جعلت على نفسي بكل كلمة أن أتصدق بدرهم فصعب ذلك فانتهيت. و قال عقبة بن عامر: يا رسول الله فيم النجاة؟ قال: أملك عليك لسانك و ليسعك بيتك و ابك على خطيئتك و قال صلّى الله عليه و سلم في الخبر الجامع المختصر: من سره أن يسلم فليلزم الصمت و أوصى رسول الله صلّى الله عليه و سلم معاذا بالصلاة و الصيام و غير ذلك ثم قال في آخر وصيته: ألا أدلك على ما هو أملك لك من ذلك كله. هذا و أومأ بيده إلى لسانه فقلت: يا رسول الله و إنا لمؤاخذون بما تتكلم به ألسنتنا فقال: ثكلتك أمك يا معاذ و هل يكب الناس على مناخرهم في جهنم إلا حصائد ألسنتهم إنك ما سكت فإنك سالم فإذا تكلمت فإنما هو لك أو عليك و قال عبد الله بن سفيان عن أبيه. قال: قلت يا رسول الله أوصني بشيء في الإسلام لا أسأل عنه أحدا بعدك فقال: قل ربي الله ثم استقم قال: قلت فما أتقى بعد ذلك. و في لفظ آخر ذلك و في لفظ آخر فأخبرني بأضر شيء عليّ فقال هذا و أومأ إلى لسانه. و في الخبر لا يتقي العبد ربه تعالى حق تقاته حتى يخزن من لسانه. و في الحديث لا يصلح العبد حتى يستقيم قلبه و لا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه و قال ابن مسعود: ليس شيء أحق بطول سجن من لسان. و قال بعض السلف: فتشت الورع فما وجدت في شيء أقل منه في اللسان. و قال بعض العلماء: ما استقام لسان عبد إلا عرفت الصلاح في سائر عمله و ما اختلف لسانه إلا عرفت الفساد في سائر عمله و قال بعض الحكماء: إذا كثر العقل قل الكلام، و إذا قل العقل كثر الكلام. و قال أحمد بن حنبل: علماء أهل الكلام زنادقة. و قال بعض هذه الطائفة: من تكلم فأحسن كثير و لكن الشأن فيمن يحسن أن يسكت. و قال ذو النون المصري: الخوف يقلق و الحياء يسكت. و قال بعض العارفين: قد جزئ العلم على قسمين: نصفه سكوت و نصفه أن تدري أين تضعه.