قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٧٣ - الفصل السادس و العشرون فيه كتاب ذكر مشاهدة أهل المراقبة
فقال: إنك قد أدّيت رسالة ربك و إنك أمضيت أمره و إنك قد نصبت و لقيت عناء من هؤلاء القوم و أنت جائع عطشان تسيل دماؤك على جسدك و ثيابك فاغد إلى منزلك فكل و اشرب و استرح و اغسل جسدك و ثيابك فقال إن الله عزّ و جلّ لما أرسلني قد كان عهد إليّ أن لا آكل و لا أشرب و لا أستظل حتى أرجع إلى أهلي فقال له النبي صلّى الله عليه و سلم: فإني من أهلك لأنني نبي مثلك و أخوك في الدين فلا أرى الله عزّ و جلّ عني بذلك إلا القوم الذين بعثك إليهم لأنهم أعداؤه فنهاك أن تأكل من طعامهم و تستظل عندهم و لا أحسب حرم عليك دخول منزلي و لا الأكل من طعامي لأني شريكك في الأخوّة و النبوّة قال: فصدقه و انصرف معه إلى منزله. فلما وضع الطعام بين يديه و أهوى ليأكل عن جوع شديد قد أضرّ به أوحى الله عزّ و جلّ إلى ذلك النبي الذي دعاه إلى منزله قل له: آثرت شهوتك و بطنك على أمري أ لم أعهد إليك أن لا تنزل و لا تستظل و لا تأكل حتى ترجع إلى قريتك التي خرجت منها و لو لا أنك اجتهدت برأيك و قلت بمبلغ علمك لعمكما العقاب و هو أقل عندي عذرا منك لأني عهدت إليه فآثر هواه شهوته و ترك عهدي. فأخبره النبي صلّى الله عليه و سلم بما أمر فوثب مذعورا يجر إزاره و جعل يرحل أتانه و يعجل و لا يعقل ما هو فيه فركبها طاردا لها على وجهه لجوعه و عطشه و دماؤه على ثيابه و جسده لا ينثني. فلما هبط عن عقبة تحتها غيضة عارضة سبع فافترسه و انتصب السبع مقعيا على قارعة الطريق يزأر يحرس أتانه و رحله كلما أقبل إنسان زأر الأسد عليه حتى يطرده فسمع بخبره ذاك النبي فأقبل نحوه فلما نظر إليه الأسد انصرف عنه و خلى بينه و بينه قال: فكفنه و واراه و انصرف برحله و أتانه إلى أهله. فقال: يا رب عبدك هذا الذي بلغ رسالتك و أمضى أمرك و قد كان أجهده البلاء فخالف ما أردت فلم يعلم فعاقبته بهذه العقوبة فأوحى الله عزّ و جلّ إليه ليست هذه عقوبة و لم أفعل ذلك لهوانه عليّ و لكن هذه مغفرة و رحمة. إنه خالف أمري و كان قد اقترب أجله فكرهت له أن يلقاني على المخالفة فألقاه بما يكره فقيضت له كلبا من كلابي فطهره للقائي فكان ذلك له عندي شهادة و درجة فوق نبوته فقال سبحانك و بحمدك أحكم الحاكمين و أرحم الراحمين فالعالم عند العلماء من علم خير الخيرين. فسبق إليه قبل فوته و علم شر الخيرين فأعرض عنه لئلا يشغله عن الأخير منهما و علم أيضا خير الشرين ففعله إذا اضطر إليه و ابتلى به و علم شر الشرين فأمعن في الهرب منه و احتجب بحجابين عنه و في هذه المعاني دقائق العلوم و غرائب الفهوم و أدلة للسائلين و عبرة و آيات للعالمين فأما شر الشرين و معرفة الخير من الشر فهو معروف بأدلة العقول و ظاهر العلوم.