إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٣٦٩ - مستدرك إن الأمير عليه السلام كان ميبا في قتاله و الذين قاتلوه كانوا بغاة ظالمين
و حمل أهل العراق على أهل الشام، فتقهقروا ثم توقفوا، فوقف الأحنف بن قيس يخطب أهل العراق: يا أهل العراق، و اللّه لا تصيبون هذا الأمر أذل عنقا منه اليوم، قد كشف القوم لكم قناع الحياء، و ما يقاتلون على دين، و ما يصبرون إلا حمية و حبا في الدنيا، فتقدموا، قالوا: إنا إن تقدمنا اليوم فقد تقدمنا أمس، فما تقول يا أمير المؤمنين؟ قال الإمام علي لهم: تقدموا في موضع التقدم، و تأخروا في موضع التأخر، تقدموا من قبل أن يتقدموا إليكم.
فانقض أهل الشام يقودهم عمرو بن العاص، و تقدم أهل العراق يقودهم أمير المؤمنين الإمام علي، و كان في الدروع و الزرد لا تبين منه إلّا عيناه، و كذلك كان عمرو،
فلم يعرف عمرو أن الذي يقود أهل العراق هو علي الذي ما صارع أحدا إلّا صرعه و تصدى لعمرو، فلما تلقى عمرو أول ضربة في الصراع أدرك من ثقل الضربة أنها لعلي، ثم ضربه علي بحربته فأوقعه من على ظهر حصانه، فأدرك عمرو أنه هالك، فبادر فكشف عورته و هو يتخبط على الأرض، فنحى الإمام علي كرم اللّه وجهه- وجهه عن عمرو و تركه يسرع هاربا، فقال أصحاب علي: أفلت الرجل يا أمير المؤمنين، قال: فهل تدرون من هو؟ إنه عمرو بن العاص، تلقاني بعورته فصرفت وجهي عنه.
و تقدم بسر بن أرطاة، و هو أقوى فرسان معاوية ليصارع عليا، فضربه فأسقطه، فلما أدرك بسر أنه يبارز عليا، كشف عورته كما صنع عمرو، فصرف الإمام وجهه عنه، و تركه يفلت هاربا، و روى عمرو ما كان من علي، فقال معاوية: أحمد اللّه و عورتك، أما و اللّه أن لو عرفته يا عمرو ما أقحمت نفسك عليه، ثم قال شعرا يزري فيه بعمرو، فقال عمرو: ما أشد تعظيمك عليا في أمري هذا؟ و هل هو إلا رجل لقيه ابن عمه فصرعه؟ أفترى السماء قاطرة لذلك دما؟ قال معاوية: لا و لكنها معقبة لك خزيا.
و هدأ القتال، فقدر معاوية أن عليا سيقهره إن استمر القتال.