إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٣٨١ - مستدرك إن الأمير عليه السلام كان ميبا في قتاله و الذين قاتلوه كانوا بغاة ظالمين
فقام قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري فقال: أما و اللّه يا أمير المؤمنين لنحن كنا أولى بالتسليم لك من أهل الشام لمعاوية.
و شعر معاوية أنه سيحاط به و بجند الشام بعد أن قطع الإمام طريق الميرة، فبعث أبا هريرة و النعمان بن بشير الأنصاري إلى عليّ فقالا له: يا أبا الحسن إن اللّه قد جعل لك في الإسلام فضلا و شرفا، و قد بعثنا معاوية يسألك أمرا تسكن به هذه الحرب، و يصلح له به ذات البين: أن تدفع إليه قتلة عثمان، فيقتلهم به، و يجمع اللّه تعالى أمرك و أمره، و يصلح بينكم، و تسلم الأمة من الفتنة و الفرقة. فعجب الإمام لهذا الكلام. أما يزال معاوية يطالب بقتلة عثمان، و يرى نفسه وليّ الدم و له الحق في القصاص دون الإمام وليّ أمر الأمة، و عجب أن يحمل إليه أبو هريرة و النعمان بن بشير الأنصاري مثل هذا الكلام.
فقال الإمام لهما: دعا هذا الكلام.
ثم اتجه إلى النعمان قائلا: حدّثني عنك يا نعمان، هل أنت أهدى قومك سبيلا؟
قال: لا، قال الإمام: فكل قومك الأنصار قد اتبعني إلّا شذاذا منهم ثلاثة أو أربعة، أ تكون أنت من الشذاذ؟ قال النعمان: إنما جئت لأكون معك و ألزمك، و كان معاوية قد سألني أن أؤدي هذا الكلام، و رجوت أن يكون لي موقف أجتمع فيه معك، و طمعت أن يجري اللّه تعالى بينكما صلحا، فإذا كان رأيك غير ذلك فأنا ملازمك و كائن معك.
و كان بعض الناس في صفين يسعى بين المعسكرين، و كانت الحرب إذا هدأت عشاء يتسامر أهل المعسكرين معا، فيتعاتبون، و لقد يرق الواحد منهم للآخر، حتى إذا أصبحوا و استعر القتال بينهم كره بعضهم بعضا.
و كان ممن يترددون بين المعسكرين في صفين، نفر اعتزلوا القتال، وسعوا في الصلح، فكانوا إذا نودي للصلاة يصلون خلف علي، فإذا جاء وقت الطعام أو النوم، ذهبوا إلى معاوية حيث الطعام ألذ و الفراش ألين، و كانوا إذا سئلوا في ذلك