فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٢٩٤ - نافذة المصطلحات الفقهية ــ ارتزاق
رابعاً ـ اشتراط الحاجة في الارتزاق من بيت المال وعدمه:
ثمّ إنّه لا ريب ولا خلاف بين الفقهاء في جواز ارتزاق أهل المناصب مع الحاجة(٢٤)إذا لم يقدروا على التكسّب لقوتهم وقوت عيالهم وباقي ضروريّاتهم، أمّا مع الغنى فقد اختلفوا فيه على أقوال(٢٥):
الأوّل: عدم الجواز مطلقاً، سواء تعيّن عليه الاشتغال بالعمل أم لا، وهو قول ثاني الشهيدين(٢٦)والمحقّق الأردبيلي(٢٧)والشيخ الأنصاري(٢٨)، ومال إليه أيضاً المحقّق النجفي(٢٩).
قــال الشيـخ الأنصــاري: «مقتضى القاعدة عدم جواز الارتزاق إلاّ مع الحاجة على وجه يمنعه القيام بتلك المصلحة عن اكتساب المؤونة، فالارتزاق مع الاستغناء ولو بكسب لا يمنعه القيام بتلك المصلحة غير جائز»(٣٠).
واستدلّ لذلك : بأنّ بيت المال موضوع للمصالح ولا مصلحة مع عدم الحاجة(٣١)، بل أنّه تضييع لحقوق المسلمين(٣٢).
الثاني: الجواز مطلقاً، أي سواء تعيّن عليه القيام بتلك المصلحة أم لا، وهو اختيار الفاضل النراقي ووالده(٣٣)والمحقق الآشتياني(٣٤)والسيد الخوئي(٣٥).
واستدلّ له:
١ ـ بعدم خروجه بالوجوب عن كونه من المصالح التي يؤخذ الرزق عليها وإن وجبت كالجهاد، فيكون الارتزاق من بيت المال مسبّباً للقيام بمصلحة من مصالح المسلمين سواء كانت واجبة أم لا، وسواء كان القائم محتاجاً إليه أم لا(٣٦).
لكن استشكل في ذلك بعدم الدليل عليه، وإنّما المسلّم الارتزاق مع الحاجة إليه ولو بسبب القيام بالمصلحة، المانع له من التكسّب، سواءً تعيّن عليه ذلك أو لا، وليس هو في الحقيقة عوض معاملي، بل
(٢٤) المراد بالحاجة المجوّزة للارتزاق هي المتعارفة وعلى حسب العادة، لا مقدار الضرورة التي لا يعيش بدونها، كما في مجمع الفائدة ٨: ٩٤.
(٢٥) البحث عن ذلك وإن ورد في كلمات بعض الفقهاء في خصوص القاضي، إلاّ أنّه يجري في سائر المرتزقين; لنفس المناط المذكور، كما صرّح بذلك بعض الفقهاء كالمحقّق النجفي والشيخ الأنصاري وغيرهما، وسوف يتّضح ذلك من خلال البحوث المقبلة.
(٢٦) الروضة ٣: ٧١.
(٢٧) مجمع الفائدة ٨: ٩٤.
(٢٨) المكاسب (تراث الشيخ الأعظم) ٢: ١٥٤.
(٢٩) يستفاد ذلك من ثنايا كلماته في جواهر الكلام (٤٠: ٥١ ـ ٥٤) كما نسبه الشيخ الأنصاري إليه.
(٣٠) المكاسب (تراث الشيخ الأعظم) ٢: ١٥٤. ولكن في موضع آخر منه (١: ٢٤٥): «وأمّا الارتزاق من بيت المال فلا إشكال في جوازه للقاضي مع حاجته، بل مطلقاً إذا رأى الإمام المصلحة فيه; لما سيجيء من الأخبار الواردة في مصارف الأراضي الخراجية».
(٣١) اُنظر: مجمع الفائدة ٨: ٩٤.
(٣٢) مصباح الفقاهة ١: ٤٨٢.
(٣٣) مستند الشيعة ١٧: ٦٨.
(٣٤) القضاء( الآشتياني ) : ٢٦، حيث قال: «لا إشكال في جواز إعطائه [ = القاضي ] فيما إذا تعيّن عليه القضاء بأن لا يوجد من يقوم به سواه، سواء كان القاضي غنيّاً أو فقيراً... وكذا فيما لم يتعيّن عليه القضاء، بل يقوم به كفاية فيما إذا لم يكن هناك متبرّع بالقضاء...».
(٣٥) مصباح الفقاهة ١: ٤٨٢.
(٣٦) اُنظر: جواهر الكلام ٤٠: ٥٢.