فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٢٣٠ - قاعدة التسامح في أدلّة السنن الشيخ مجتبى الأعرافي
عرفاً هو مطابقة القول للواقع ، كما أنّ ظاهر عنوان الكذب عرفاً هو مخالفة القول للواقع ، ولا يكون إحراز المطابقة مأخوذاً في مفهوم الصدق ، كما لا يكون إحراز المخالفة مأخوذاً في مفهوم الكذب ، فالصدق هو القول الموافق للواقع سواء اُحرز ذلك أم لا ، والكذب هو القول المخالف للواقع سواء اُحرز ذلك أم لا ، ويعبّر عن الصدق والكذب بهذا المعنى بالصدق والكذب الخبريين ، ومن الواضح أنّ الصدق والكذب بهذا المعنى يتعلّق بهما الحكم العقلي والشرعي ، فإنّ المخبر إذا أخبر بخبر كان مخالفاً للواقع فإنّه يصدق أنّه كذب وإن لم يحرز ذلك ، ويكون محكوماً بالقبح عقلاً ، إلا أنه ليس قبحاً فاعلياً على تقدير عدم الإحراز بل قبحاً فعلياً ، فالكذب بهذا المعنى له حكم عقلاً ، كما أنّ له حكماً شرعاً ؛ إذ ليست واقعة إلا وهي محكومة بأحد الأحكام الخمسة ، وكذا الأمر في الصدق فإنّه محكوم بحكم عقلي وشرعي أيضاً ، ولو اُحرز المخبر مطابقة الخبر للواقع فأخبر فإنّه كما هو محكوم بالحسن الفعلي ، كذلك محكوم بالحسن الفاعلي ، ولو أحرز عدم مطابقته للواقع فأخبر فإنّه محكوم بالقبح الفعلي والفاعلي معاً .
فما أفاده من أنّ الصدق والكذب الخبريين لا حكم لهما عقلاً ولا شرعاً غير تامّ ، وكذا ما أفاده من أنّه إذا لم يحرز عدم مطابقة الخبر للواقع فأخبر فيصدق عنوان الكذب ؛ لما ذكرناه من أنّ الكذب هو القول المخالف للواقع ، فمتى لم يحرز موافقته للواقع ولا مخالفته فيكون شبهة مصداقية لعنوان الكذب .
هذا ، والظاهر أنّ الإخبار بما لا يعلم مطابقته للواقع غير جائز شرعاً وإن كان في قبحه عقلاً تأمّل ؛ وذلك لظهور قوله تعالى : {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } (٢٩)فإنّ الاقتفاء المنهيّ عنه كما يشمل الاعتقاد بما لا يعلم والعمل به ، كذلك يشمل القول بغير علم ، وكذا ظاهر معتبرة علي بن جعفر عن أخيه موسى ابن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) في حديث قال : «ليس لك أن تتكلّم بما شئت ، لأنّ الله عزّ وجلّ يقول : {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } » (٣٠).
(٢٩) الاسراء : ٣٦ .
(٣٠) الوسائل ٢٧ : ٣٠ ـ ٣١ ، ب ٤ أبواب صفات القاضي ، ح ٣٦ .