فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٢٢٩ - فقه الوفاق في تراث الامام شرف الدين السيد منذر الحكيم
عَدّوْا على آل بيت الرسول وشرّدوهم ومزّقوهم شرّ تمزيق . وقد جعل الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) إمامتهم للاُمة أماناً من الفرقة ومحوراً مهمّاً من محاور الوحدة التي يلتقي عليها كل المسلمين .
فالكتاب والسنّة هما الرصيد الأول لهذا المبدأ ، وهما اللذان طرحا فقه الوفاق كمفهوم وكمبدأ أساس في حياة الاُمة الإسلامية ، ونظّرا له خير تنظير ، وقد تناساه الحكّام وتغافلوا عنه واستعملوه بشكل يحقّق لهم مصالحهم حين انحرفوا عن الصواب .
٦ ـ فقه الوفاق في سيرة أهل البيت (عليهم السلام) :
ورغم المحاولات المبذولة لإبعاد الاُمة عن أهل البيت (عليهم السلام) ـ الذين جعلهم النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) محور الوحدة الحقيقية والمطلوبة في مقاييس الرسالة الإسلامية فإنّ أهل البيت (عليهم السلام) لم ينفصلوا عن الاُمة ، بل حاولوا الاحتفاظ بحضورهم الفاعل في الساحة وتواجدهم بين جمهور الاُمة وعلى أصعدة شتى ومستويات مختلفة ، سواء على مستوى توجيه النخبة وقيادتها فكرياً وثقافياً ودينياً ، وسواء على مستوى التعامل المبدئي مع الحكّام من خلال النصح والإرشاد وعدم إعطاء فرص للاحتواء والذوبان في جهاز الحاكمين وركبهم ، وسواء على مستوى الجماهير الذين يبحثون عن قدوة عملية ونماذج رسالية تروّي عطشهم وتسدّ حاجاتهم العاطفية والسلوكية . . وهم في كل الظروف ورغم كل الخلافات التي حصلت من خلال إبعاد الحكّام المنحرفين للاُمة عن مصادر الرسالة وينابيعها السليمة من كل غبش وغش وتشويش ، فإنهم هم الذين جسّدوا مبدأ الوفاق والوحدة بشكل رائع لا مثيل له ، مؤثرين طاعة اللّه ورضاه المتمثل في تحقيق وحدة الاُمة حتى على حقوقهم الخاصّة بهم ، وهم بذلك قد بلوروا فقه الوفاق بعلى درجاته وأسمى مُثله وأنواعه ، ليرتقوا بالاُمة من الحضيض إلى القمّة ، ومن ردى الشقاق والتمزّق إلى هدي الوحدة والاتفاق والتآلف والوئام (١٣).
(١٣)انظر ما جاء في نهج البلاغة حول أسباب صمت الإمام علي (عليه السلام) وصبره على ابتزازهم حقّه المشروع في الخلافة ، ومسالمته للخلفاء الذين لم ترشّحهم الاُمة ولا النبي القائد ، قال (عليه السلام) : «صبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجى ، أرى تراثي نهباً» ، وقال (عليه السلام) : «حتى رأيت راجعة الناس يدعون إلى محق دين محمد » .