التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥٩ - الركن الثالث حكمة الجهاد
الركن الثالث: حكمة الجهاد
الدنيا دار ابتلاء، وقد جعل الله الناس بعضهم فتنة لبعض. ومن ابرز مصاديق هذه الفتنة الحرب، حيث يبتلي المسلمين بالكفار فاذا هم يتمايزون. يتساقط المنافقون على اطراف المسيرة، وهم أولًا: الذين يفضّلون منافعهم المادية على الجهاد (ولا يرون انفسهم جزء من الأمة). ثانياً: الذين يبحثون عن الرئاسة (ويقولون هل لنا من الأمر شيء). ويزداد المؤمنون طهراً ونقاءً، وتتمخض ساحات الجهاد عن الشهداء الذين يصلحون لقيادة الأمة.
١/ الحرب من أشد الفتن التي يتعرض لها البشر، فبها تبلو سرائر الناس، وتظهر حقائقهم. وهذه هي من حكم فرض الله القتال على المسلمين. وكان الله قادراً على ان ينتصر من الكفار، كما انتصر لدينه من عاد وثمود وآل فرعون. ولكن الله يبلو بعض البشر ببعض، فاذا بالمؤمنين الصادقين يتمايزون عن المنافقين المندسين في صفوفهم. قال الله سبحانه: فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِيَبْلُوَا بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (محمد/ ٤)
ويتساءل البعض؛ إذا كان الابتلاء هدف الحرب، فماهو مصير الشهداء في المعركة؟
والجواب؛ ان عملهم محفوظ عند ربهم، حيث يهديهم ربهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة.
٢/ وأول الابتلاء ظهور حقيقة المنافق الذي يبحث في المعركة عن مصالح، ولا يرى نفسه جزءً من الأمة. ومن هنا فاذا اصابت الأمة مصيبة (لم يرف له جفن، لانه لايهتم إلّا بنفسه)، ويحمد الله على أنه لم يشهد المعركة حتى يصاب باضرارها، (وكأن الذين اصيبوا ليسوا منه وليس منهم). وكذلك تراه في المغنم يتحسر، لانه لم يكن مع المسلمين حتى يغنم شيئاً. (فهو لايرى إلّا نفسه، ولا يعيش إلّا هَمّ ذاته)، وكأنه ليس بينه وبين المسلمين مودة. قال سبحانه: وإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ فإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ