التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٤ - مقارنة قانونية
ويمكن ان تدخل كل الجرائم التي يعاقب عليها القانون (الغصب، الاعتداء، السرقة والغش) ضمن اطار الارادة، حيث ان الفاعل قد ارتكب بارادته ما تحمل المسؤولية بها، كذلك الذي يلحق ضرراً بآخر. ولكن هناك بعض المسؤوليات التي تفرض التعويض على الشخص، لاتدخل في اطار الارادة؛ مثل مسؤولية الولي عن اتلاف المولى عليه، فالطفل والمجنون والحيوان الذي يلحق خسارة بأحد، يرجع الخاسر الى الولي عنهم [١]. وهكذا قبطان السفينة او صاحب النزل (الفندق) او صاحب الاسطبل مسؤولون جميعاً عن فعل يرتكبه غيرهم. فاين موضع الارادة في هذا المجال؟
ولكنهم قالوا ان الخطأ الذي ارتكبه امثال هؤلاء، يتمثل في تقصيرهم في واجبهم؛ من حفظ المولى عليهم، او رعاية شؤون ولايتهم على السفينة، او الاسطبل، وما أشبه. وهكذا سميت هذه المسؤولية بالمسؤولية شبه الجرمية. ولكن بقيت المشكلة عندهم، وهي فقدان الارادة (نية الخطأ) التي جعلوها محور المسؤولية." مع العلم بانه لم يكن من الضروري في هذه المسؤولية اثبات الخطأ، كما ان انتفاء الخطأ لم يكن ينفي المسؤولية". [٢]
ولقد قبل رجال القانون المدني، في كل مكان هذه النظرية البسيطة للمسؤولية التقصيرية، حتى اواخر القرن التاسع عشر. وهي مازالت الى اليوم، تعتبر النظرية الاصلية.
وقد قبل القانون الفرنسي بوجود مسؤولية بدون خطأ؛ مثل مسؤولية ارباب العمل، حيث لا يقبل منهم أي عذر فمسؤوليتهم مطلقة. وكذلك البناء اذا سقط بسبب عيب فيه وسبّب ضرراً، فالمالك مسؤول مسؤولية وضعية مطلقة، ولا قيمة لادعائه بانه لم يكن يعلم بوجود عيب او ما أشبه. [٣]
[١] في الاسلام يرجع اولياء المقتول في بعض انواع الدية الى اقارب القاتل، ويسميهم الفقه الاسلامي ب- (العاقلة) أي الذين يفترض ان يحفظوا الشخص عن ارتكاب الجريمة.
[٢] المدخل الى فلسفة القانون/ ص ٩٦- ٩٧.
[٣] المصدر/ ص ٩٨.