التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٥ - قالوا ربنا الله ثم استقاموا
وقد عذب فرعون الطاغية السحرة التائبين، لأنهم قالوا آمنا برب هارون وموسى. ولما قال ابراهيم عليه السلام: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (الانعام/ ٧٩) اراد قومه اصرافه، فانجاه الله.
وهكذا كانت كلمة" ربي الله" محور الصراع بين الحق والباطل. فكان على من يسمو الى درجة الشهادة بها، ان يستعد للبلاء، وان يسأل الله توفيق الاستقامة.
باء: وجاء السياق بحرف" ثم" لعله للدلالة على ضرورة الاستقامة المستمرة. فان من يصبر اياماً ثم ينهار، لا يعد مستقيماً. وكما يقول الامام أمير المؤمنين عليه السلام:" العمل العمل، ثم النهاية النهاية، والاستقامة الاستقامة". [١]
إن غاية الاستقامة نهاية العمر، حيث قال ربنا سبحانه: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (الحجر/ ٩٩) وقال تعالى: فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ (البقرة/ ١٣٢)
جيم: ان رفض الطاغوت والتمسك بالله وحده، هو القوة؛ حيث قال سبحانه: فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَاانفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (البقرة/ ٢٥٦)
وحين يكفر المؤمن بالطاغوت ويتجنبه، فإنه يرفض ثقافته الجاهلية، وما في هذه الثقافة من عوامل الخنوع والذل والتخلف. ثم يرفض قوانينه التي هي أصر واغلال، ويتحرر من هيبته وخوفه، ويتحرر من اغرائه وزخارفه، فيكون قوياً. أليس القوي هو الذي لايخاف ولا يحزن؟ كذلك قال ربنا سبحانه، عمن استقام على الطريقة: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (الاحقاف/ ١٣)
ان الاستقامة تعلو بالمؤمن عن مؤثرات الحياة المادية العاجلة، فيصبح كما قال سبحانه: لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَآ ءَاتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (الحديد/ ٢٣) فيكون قوياً بالله سبحانه.
والاستقامة قوة في القلب، يبثها ملائكة الله الذين يتنزلون على عبده؛ حيث قال سبحانه: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلآَئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ
[١] نهج البلاغة/ خطبة رقم ١٧٦.