التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٨ - باء هل تجوز الهدنة مع القوة
السرايا من الأمر بالمنابذة معهم إلّا مع الاسلام او الجزية من أهلها. وختم استدلاله بقول الله سبحانه: فَإِذَا انسَلَخَ الاشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ (التوبة/ ٥)، وقوله سبحانه: فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُواْ إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ (محمد/ ٣٥)
وهناك أدلة على جواز المهادنة، وهي التالية:
١- الآية التي تليت آنفاً من سورة الممتحنة (الآية/ ٨- ٩)، فبالرغم من أن مطلع السورة يأمر المؤمنين بالبراءة من اعداء الله وألّا يلقوا اليهم بالمودة، إلّا ان الآيتين (٨- ٩) تدلان على استثناء المسالمين من الكفار الذين لم يقاتلوا المسلمين في الدين ولم يخرجوهم من ديارهم. ويزداد القول وضوحاً في الآية (٩)، حيث يعبّر القرآن الكريم بحرف الحصر ويقول: إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ (الممتحنة/ ٩).
وفي الآية (١) اشارة الى هذه البصيرة، حيث قال سبحانه في بيان سبب البراءة منهم: يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ (الممتحنة/ ١).
فالبراءة واجبة على المؤمنين فقط من اولئك الكفار الذين يحاربونهم على دينهم.
٢- وقد سبق الحديث حول الجهاد الابتدائي، وقلنا ان آيات الكتاب لاتدل عليه دلالة واضحة، انما آيات الجهاد وآيات القتال تدور اكثرها حول محور محاربة الكفار الذين يبدءون المسلمين بالاعتداء، كقوله سبحانه: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (البقرة/ ١٩٠)
٣- بما ان أكثر الفقهاء الامامية لايرون الجهاد الابتدائي في عصر الغيبة الذي يسمى ايضاً بايام الهدنة، فان الكف عن القتال في هذا العصر- إلّا دفاعاً- هو ذلك السلم الذي نسميه بالهدنة.
٤- آيات القتال التي استدل بها في الجواهر مخصصة بحالة الجنوح للسلم التي ذكرت في القرآن الكريم: وإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا (الانفال/ ٦١)، وكذلك قوله سبحانه: فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُواْ إِلَى السَّلْمِ (محمد/ ٣٥)، حيث ان الدعوة الى السلم من موقع الوهن هي التي نهت عنها الآية، لا السلم مطلقاً. ويحتمل قوياً ان يكون نهي القرآن عن الدعوة الى السلم بعد الاقتتال خوفاً وجبناً، وطلباً للراحة، حيث جاءت هذه الآية