التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٧٠ - حكم النجوى
فإذاً لو كانت النجوى ذات محتوى يرضاه الرب، من نوع الأمر بالمعروف (كصلة الرحم، او اشارة بخير) او أمر بالانفاق والصدقة او دعوة الى الاصلاح .. فانها ذات خير، وإلّا فلا خير فيها.
والله سبحانه دعا الى النجوى بالمعروف، ووعد من فعله أجراً عظيماً. لماذا؟ لان الشيطان يوسوس في افئدة المتناجين، ويدعوهما الى اثارة الحمية، والأمر باتباع الهوى. فمن كانت نجواه موافقة لعلنه، وكانت فيها دعوة الى الخير، كان ذا ايمان صادق.
ومن هنا جاء في الحديث المروي عن الامام علي عليه السلام:" لا خير في المناجاة إلّا لرجلين؛ عالم ناطق، او مستمع واع". [١]
٢/ وهناك ألوان من النجوى المنهية عنها، وهي التي تضل الناس عن الحق، كالنجوى التي كان المشركون يتناجون بينهم، ويثيرون الشبهات حول الرسالة. وقد قال ربنا سبحانه: لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَآ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ (الانبياء/ ٣)
ولقد كانت محتويات التناجي بين المشركين تختصر في شبهتين؛ الأولى: ان الرسول بشر (وكيف يتبعون بشراً مثلهم). والثانية: ان رسالته سحر.
ولكن لماذا اسروا هذه الشبهات، ولم يجهروا بها؟ يبدو لسببين؛ الأول: لان الجهر بها كان يدعو المؤمنين الى ردّها رداً مدعماً بالبراهين الواضحة. الثاني: لانهم كانوا بنجواهم يثيرون الحميات، وذلك بهدف دعم الافكار الباطلة. ولقد ردهم الله في آية تالية، بأن الله يعلم سرهم- وبالتالي- عليهم ان يراقبوه، وألّا يقولوا في نجواهم إلّا الحق (الانبياء/ ٤).
٣/ وقال الله سبحانه (في قصة النبي موسى وفرعون): فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى* قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (طه/ ٦٢- ٦٣)
وهكذا كانت الفكرة التي تبادلوها بالنجوى، هي الاخرى من نوع الشبهات الباطلة حول الرسول. (كانوا مختلفين هم بانفسهم فيها)؛ مثل ان موسى ساحر، او انه يريد
[١] ميزان الحكمة/ ج ١١/ ص ١٤- ١٥ عن غرر الحكم.