التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥٦ - أولا أدلة الجهاد الابتدائي
ثم يفصله. وهذه الآية- فيما يبدو- بيان اجمالي لوجوب الجهاد، اما التفصيل فتقرءه في قصة بني اسرائيل الذين أخرجوا من ديارهم وابنائهم، وجعل الله لهم طالوت ملكاً، وقاتلوا تحت لواءه حتى نصرهم الله.
ذلك لأن الله سبحانه قد بيّن تفصيل القتال مع الكفار في الآيات (٢٤٦) الى (٢٥١) من سورة البقرة، بعد ان رغب في اقراض الله قرضاً حسناً في الآية (٢٤٥) من سورة البقرة، وهو بمثابة الجهاد بالمال. وقد بيّن حكمة القتال بقوله سبحانه: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَويٌ عَزِيزٌ (الحج/ ٤٠). فسمّى هذا الفرع من القتال دفاعاً. فهل يبقى للآية الأولى (٢٤٤) من سورة البقرة، ظهور في الجهاد الابتدائي؟
ثانياً: الأدلة المخالفة للجهاد الابتدائي
ويستدل على عدم وجوب الجهاد الابتدائي بالأدلة التالية:
١- يبيّن ربنا سبحانه في القرآن سنن الذين كانوا من قبلنا، ويقص علينا ما جرى بين الانبياء والأمم، وكيف كانت دعوة الانبياء دعوة سلمية، وبالكلمة الطيبة اللينة، وبالموعظة الحسنة، وبالجدال بالتي هي احسن. ولكن ردّ الأمم كان عنيفاً، حيث كان يتحول بعد التهديد الى الاخراج من البلاد، والى الرجم (بالكلمات البذيئة)، والى القتل. وسنن الله في الأولين والآخرين واحدة، حسب الظاهر.
٢- قال الله سبحانه: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَوْاْ فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (البقرة/ ١٩٣)
نستفيد من الآية؛ ان غاية القتال قطع دابر الفتنة، واذا انقطعت فلا عدوان إلّا على الظالمين. ويبدو ان الظالمين هم مثيروا الفتن، والعدوان هنا بمعنى الحرب. فالحرب لاتكون إلّا مع الظلمة الذين يعتدون على حقوق الآخرين ويرهبون عباد الله. إذاً الحرب انما هي دفاعية (بالمعنى الأوسع لكلمة الدفاع الشامل لمقاومة الظلم).
وهذه الآية تخصص النصوص الآمرة بالقتال بوجه عام، مثل قوله سبحانه: قَاتِلُوا