الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٩ - غناء ابن جامع بشعر مضاض
صوت
ثم غنّى، للعرجيّ [١]:
لو أنّ سلمى رأتنا لا يراع لنا
لما هبطنا جميعا أبطن السوق [٢]
و كشرنا و كبول القين تنكؤنا
كالأسد تكشر عن أنيابها الرّوق [٣]
صوت
ثم تغنّى:
أجرّر في الجوامع كلّ يوم
فيا للّه مظلمتي و صبري
ثم أمر بالرّحيل. و قد غنى هذه الثلاثة الأصوات. فقال لي أبي: يا بنيّ بشعت لما رأيت من طعام ابن جامع و شرابه؛ فعليّ عتق ما أملك [٤] إن لم يكن شرب الدم مع هذا طيّبا. ثم قال: أسمعت بنيّ غناء قطّ أحسن من هذا؟
فقلت: لا و اللّه ما سمعت. قال: ثمّ خرج ابن جامع حتى نزل بباب أمير المؤمنين الرشيد ليلا، و اجتمع المغنّون على الباب، و خرج الرسول إليهم فأذن لهم؛ و الرشيد خلف السّتارة، فغنّوا إلى السّحر؛ فأعطاهم ألف دينار إلّا ابن جامع فلم يعطه شيئا، و انصرفوا متوجّهين له، و عرضوا عليه جميعا فلم يقبل؛ و انصرفوا، فلما كان في الليلة الثانية دعوا فغنّوا ساعة، ثم كشفت الستارة، و غنّى جامع صوتا عرّض فيه بحاله و هو:
صوت
تقول أقم فينا فقيرا و ما الذي
ترى فيه ليلي أن أقيم فقيرا
ذريني أمت يا ليل أو أكسب الغنى
فإنّي أرى غير الغنيّ حقيرا
يدفّع في النادي و يرفض قوله
و إن كان بالرأي السّديد جديرا
و يلزم ما يجني سواه و إن يطف
بذنب يكن منه الصغير كبيرا [٥]
قالوا: فأعجب الرّشيد ذلك الشعر و اللحن فيه، و أمال رأسه نحوه كالمستدعي له. و غنّاه أيضا:
صوت
لئن مصر فاتتني بما كنت أرتجي
و أخلفني منها الذي كنت آمل [٦]
[١] هذا الصواب في ط، مب، مط. و في سائر النسخ «العرجي».
[٢] اليراع: الضعاف من الغنم و غيرها. ط «لا نزاع لنا». ط، مب «أبطح السوق». مط «أبطح الشوق».
[٣] الكشر: التبسم، و بدو الأسنان عند الضحك. و الكبول: جمع كبل بالفتح و الكسر، و هو القيد، و القين: الحداد. تنكؤنا: تؤلمنا كذا جاءت الرواية على الصواب في ط، مب، مط. و في أ «تبكؤنا». و في سائر النسخ «تبكرنا». الروق: جمع أروق و روقاء، و هو الذي طالت ثناياه العليا على السفلى.
[٤] أ، ط، مب «فعتق ما يملك»، و هو أسلوب يبدلون به الكلام لئلا يقع المتكلم به فيما تقتضيه اليمين من نذر أو طلاق أو نحوهما.
[٥] كذا على الصواب في ط، مب، مط. و في ج: «و يلزمني» و في سائر النسخ «و يغفر».
[٦] الأبيات لأبي دهمان الغلابي، كما نصّ الجاحظ في «البيان و التبيين» (٢: ٢٩١). و كذا جاءت رواية البيت في ط، مب، مط، ج