الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٧٢ - قتال أهل الردة بالبحرين
ليلتئذ، و جعل الحطم يقول ذلك لمن لا يعرفه حتّى مرّ به قيس بن عاصم فقال له ذلك فعرفه، فمال عليه فقتله [١]، فلما رأى فخذه نادرة [٢] قال: وا سوأتاه! لو عرفت الذي به لم أحرّكه. و خرج المسلمون، بعد ما أحرزوا الخندق، على القوم يطلبونهم، فاتّبعوهم فلحق قيس بن عاصم أبجر، و كان فرس أبجر أقوى من فرس قيس، فلما خشي أن يفوته طعنه في العرقوب فقطع العصب و سلم النّسا. فقال عفيف بن المنذر في ذلك:
فإن يرقأ العرقوب لا يرقأ النّسا
و ما كلّ من تلقى بذلك عالم
أ لم تر أنّا قد فللنا حماتهم
بأسرة عمرو و الرّباب الأكارم
و أسر عفيف بن المنذر، الغرور بن أخي النعمان بن المنذر، فكلّمته الرّباب فيه و كان ابن أختهم [٣] و سألوه أن يجيره، فجاء به إلى العلاء قال: إنّي أجرته. قال: و من هو؟ قال: الغرور. قال العلاء: أنت غررت هؤلاء؟ قال:
أيّها الملك أنّي لست بالغرور، و لكنّي المغرور. قال: أسلم. فأسلم و بقي بهجر. و كان الغرور اسمه، ليس بلقب.
و قتل العفيف أيضا المنذر بن سويد [٤] أخا الغرور لأمّه، و كان له يومئذ بلاء عظيم فأصبح العلاء يقسّم الأنفال، و نفّل رجالا من أهل البلاء ثيابا، [فكان فيمن نفّل/ عفيف بن المنذر، و قيس بن عاصم، و ثمامة بن أثال. فأما ثمامة فنفّل ثيابا] [٥] فيها خميصة ذات أعلام [٦]، و كان الحطم يباهي فيها. و باع الباقي، و هرب الفلّ إلى دارين فركبوا إليها السّفن، فجمعهم اللّه عزّ و جل بها، و ندب العلاء الناس إلى دارين، و خطبهم فقال: إنّ اللّه عز و جل قد جمع لكم أحزاب الشيطان، و شذّاذ الحرب [٧] في هذا اليوم [٨]، و قد أراكم من آياته في البرّ لتعتبروا بها في البحر، فانهضوا إلى عدوّكم ثم استعرضوا البحر إليهم، فإنّ اللّه جل و عزّ قد جمعهم به. فقالوا: نفعل و لا نهاب و اللّه بعد الدهناء هولا [٩] ما بقينا! فارتحل و ارتحلوا حتى أتى ساحل البحر فاقتحموا على الخيل، هم و الحمولة و الإبل و البغال، الراكب و الراجل [١٠]، و دعا و دعوا، و كان [دعاؤه و] [١١] دعاؤهم: يا أرحم الراحمين، يا كريم يا حليم، يا صمد يا حيّ يا محيي الموتى، يا حيّ يا قيوم، لا إله إلا أنت يا ربّنا فأجازوا ذلك الخليج بإذن اللّه، يمشون على مثل رملة ميثاء فوقها ماء يغمر أخفاف الإبل، و بين الساحل و دارين مسيرة يوم و ليلة لسفن البحر. و وصل المسلمون إليها فما تركوا من المشركين بها مخبرا [١٢]، و سبوا الذّراري، و استاقوا الأموال، فبلغ من ذلك نفل الفارس من
[١] ح «فمات عليه» و أثبت ما في ها، مب و في سائر النسخ «فصلت عليه»، صوابهما من الطبري (٣: ٢٥٨).
[٢] نادرة: ساقطة. في «الأصول»: «نادرا» و الفخذ مؤنثة. و جاء على الصواب في الطبري.
[٣] الطبري «و كان أبوه ابن أخت القوم».
[٤] و قتل، هي في أ «و قيل» و في سائر النسخ «و كان»، صوابها من ها، مب و الطبري. و كلمة «أيضا» هي فيما عدا ح، أ، ها، مب «بن». و هذه الكلمة ليست في الطبري.
[٥] التكملة من «تاريخ الطبري» (٣: ٢٥٩).
[٦] الخميصة: كساء أسود مربع له علمان.
[٧] في الطبري «و شرد الحرب».
[٨] في الطبري «البحر».
[٩] في «الأصول»: «هؤلاء»، صوابه من «الطبري».
[١٠] في الطبري «فاقتحموا على الصاهل و الجامل و الشاحج و الناهق، الراكب و الراجل».
[١١] التكملة من الطبري.
[١٢] مخبرا، أي أحدا يخبر بما كان. يريد أنهم استأصلوهم.