الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٧ - شغف أبي السائب المخزومي بها
علاقة محمد بن عيسى بها:
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال: حدّثنا الزّبير قال حدّثني عمي قال: هوي محمد بن عيسى الجعفريّ بصبص جارية ابن نفيس، فهام بها و طال ذلك عليه فقال لصديق له: لقد شغلتني هذه عن صنعتي و كلّ أمري، و قد وجدت مسّ السلوّ فاذهب بنا حتّى أكاشفها بذلك فأستريح. فأتياها فلما غنّت لهما قال لها محمد بن عيسى:
أ تغنين:
و كنت أحبّكم فسلوت عنكم
عليكم في دياركم السّلام
فقالت: لا و لكنّي أغنّي:
تحمّل أهلها عنها فبانوا
على آثار من ذهب العفاء [١]
/ فاستحيا و ازداد بها كلفا، و لها عشقا، فأطرق ساعة ثم قال: أ تغنين:
و أخضع بالعتبي إذا كنت مذنبا
و إن أذنبت كنت الذي أتنصّل
قالت: نعم و أغنّي أحسن منه:
فإن تقبلوا بالودّ نقبل بمثله
و ننزلكم منّا بأقرب منزل
قال: فتقاطعا في بيتين، و تواصلا في بيتين. و في هذه الأبيات الأربعة غناء كان محمد قريض [٢]، و ذكاء، و غيرهما ممن شاهدنا من الحذّاق يغنّونه في الابتداءين لحنين من الثقيل الأوّل، و في الجوابين لحنين من خفيف الثقيل، و لا أعرف صانعهما.
شغف أبي السائب المخزومي بها
أخبرني عمي قال: حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك قال: حدّثني أبو أيوب المدينيّ عن مصعب قال:
حضر أبو السائب المخزومي مجلسا فيه بصبص جارية يحيى بن نفيس، فغنت:
قلبي حبيس عليك موقوف
و العين عبرى و الدمع مذروف
و النّفس في حسرة بغصّتها
قد شفّ أرجاءها التّساويف [٣]
إن كنت بالحسن قد وصفت لنا
فإنّني بالهوى لموصوف
يا حسرتا حسرة أموت بها
إن لم يكن لي لديك معروف
قال: فطرب أبو السائب و نعر [٤]، و قال: لا عرف اللّه قدره إن لم أعرف لك معروفك. ثم أخذ قناعها عن رأسها و جعله على رأسه [٥] و جعل يلطم و يبكي، و يقول لها: بأبي و اللّه أنت، إنّي لأرجو أن تكوني عند اللّه أفضل من الشّهداء، لما توليناه من السرور، و جعل يصيح، وا غوثاه! يا للّه لما يلقى العاشقون.
[١] البيت لزهير، في «ديوانه» ٥٨.
[٢] ط، مب، مط «قريص» بالصاد المهملة.
[٣] شفها: نقصها و نال منها. و أرجاؤها: نواحيها. و التساويف: جمع تسويف، و هو المماطلة.
[٤] نعر: صاح.
[٥] و جعله على رأسه، من ط فقط.