الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٥١ - فرح عبد الملك بسماع شعر لبيد، و وفاته عقب ذلك
كتب عبد الملك إلى الحجاج يأمره بإشحاص الشعبيّ إليه، فأشخصه فألزمه ولده، و أمر بتخريجهم و مذاكرتهم، قال: فدعاني يوما في علّته التي مات فيها فغصّ بلقمة و أنا بين يديه، فتساند طويلا ثم قال: أصبحت كما قال الشاعر:
كأنّي و قد جاوزت سبعين حجّة
خلعت بها عنّي عذار لجام
إذا ما رآني الناس قالوا أ لم يكن
شديد محال البطش غير كهام
رمتني بنات الدّهر من حيث لا أرى
و كيف بمن يرمى و ليس برام
و لو أنّني أرمى بسهم رأيته
و لكنّني أرمي بغير سهام
فقال الشعبيّ: فقلت: إنّا للّه، استسلم الرّجل و اللّه للموت! فقلت: أصلحك اللّه، و لكن مثلك ما قال لبيد:
/
باتت تشكّى إليّ الموت مجهشة
و قد حملتك سبعا بعد سبعينا
فإن تزادي ثلاثا تبلغي أملا
و في الثّلاث و فاء للثمانينا
فعاش إلى أن بلغ تسعين سنة فقال [١]:
كأنّي و قد جاوزت تسعين حجة
خلعت بها عن منكبيّ ردائيا [٢]
فعاش إلى أن بلغ مائة و عشر سنين. فقال:
أ ليس في مائة قد عاشها رجل
و في تكامل عشر بعدها عمر
فعاش إلى أن بلغ مائة و عشرين سنة فقال:
و لقد سئمت من الحياة و طولها
و سؤال هذا الناس كيف لبيد
غلب الرجال و كان غير مغلّب
دهر جديد دائم ممدود
يوم أرى يأتي عليه و ليلة
و كلاهما بعد المضاء يعود
فرح عبد الملك بسماع شعر لبيد، و وفاته عقب ذلك
ففرح و استبشر و قال: ما أرى بأسا، و قد وجدت خفّا [٣]. و أمر لي بأربعة آلاف درهم، فقبضتها و خرجت، فما بلغت الباب حتّى سمعت الواعية [٤] عليه.
و غنّى في هذه الأبيات التي أوّلها:
غلب الرجال و كان غير مغلّب
عمر الواديّ خفيف رمل مطلق بالوسطى عن عمرو.
[١] التكملة من مب، ها، ف.
[٢] ما عدا مب، ها، ف «سبعين حجة».
[٣] الخف، بالفتح: الخفة. ب، س «خفة».
[٤] الواعية: الصراخ على الميت. ما عدا ح، مب «الناعية».