الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٤٣ - وفوده على النعمان و نكايته بالربيع بن زياد
النّطاسيّ: متطبّب [١] كان له، و إلى الربيع بن زياد فخلا بهم، فلما قدم الجعفريّون كانوا يحضرون النعمان لحاجتهم، فإذا خرجوا من عنده خلا به الربيع فطعن فيهم و ذكر معايبهم، و كانت بنو جعفر له أعداء [٢]، فلم يزل بالنّعمان حتّى صدّه عنهم، فدخلوا عليه يوما فرأوا منه جفاء، و قد كان يكرمهم و يقرّبهم، فخرجوا غضابا و لبيد متخلّف في رحالهم يحفظ متاعهم، و يغدو بإبلهم كلّ صباح يرعاها، فأتاهم ذات ليلة و هم يتذاكرون أمر الربيع، فسألهم عنه فكتموه، فقال: و اللّه لا حفظت لكم متاعا، و لا سرّحت لكم بعيرا أو تخبروني/ فيم أنتم؟ و كانت أم لبيد يتيمة في حجر الربيع، فقالوا: خالك قد غلبنا على الملك و صدّ عنا وجهه. فقال لبيد: هل تقدرون على أن تجمعوا بيني و بينه فأزجره عنكم بقول ممضّ [٣] لا يلتفت إليه النعمان أبدا؟ فقالوا: و هل عندك شيء؟ قال: نعم.
قالوا: فإنّا نبلوك. قال: و ما ذاك؟ قالوا: تشتم هذه البقلة- و قدّامهم بقلة دقيقة القضبان، قليلة الورق،/ لاصقة بالأرض، تدعى التّربة [٤]- فقال: «هذه التّربة التي لا تذكي نارا و لا تؤهل دارا، و لا و تسرّ جارا، عودها ضئيل، و فرعها كليل، و خيرها قليل، أقبح البقول مرعى، و أقصرها فرعا، و أشدّها قلعا. بلدها شاسع، و آكلها جائع، و المقيم عليها قانع، فالقوا بي أخا عبس، أردّه عنكم بتعس، و أتركه من أمره في لبس». قالوا: نصبح و نرى فيك رأينا. فقال عامر: انظروا إلى غلامكم هذا- يعني لبيدا- فإن رأيتموه نائما فليس أمره بشيء، إنما هو يتكلّم بما جاء على لسانه، و إن رأيتموه ساهرا فهو صاحبه. فرمقوه فوجدوه و قد ركب رحلا و هو يكدم وسطه [٥] حتّى أصبح، فقالوا: أنت و اللّه صاحبه. فعمدوا إليه فحلقوا رأسه و تركوا ذؤابته، و ألبسوه حلّة ثم غدا معهم و أدخلوه على النعمان، فوجدوه يتغدّى و معه الربيع بن زياد، و هما يأكلان لا ثالث لهما، و الدار و المجالس مملوءة من الوفود، فلما فرغ من الغداء أذن للجعفريّين فدخلوا عليه، و قد كان أمرهم تقارب، فذكروا الذي قدموا له من حاجتهم، فاعترض الربيع بن زياد في كلامهم، فقال لبيد في ذلك:
أ كلّ يوم هامتي مقزّعه
يا ربّ هيجا هي خير من دعه
نحن بني أمّ البنين الأربعة
سيوف حزّ و جفان مترعه
/ نحن خيار عامر بن صعصعة
الضاربون الهام تحت الخيضعة
و المطمعون الجفنة المدعدعة [٦]
مهلا أبيت اللّعن لا تأكل معه
إنّ استه من برص ملمّعه [٧]
و إنّه يدخل فيها إصبعه
يدخلها حتّى يواري أشجعه [٨]
كأنّه يطلب شيئا ضيعه
[١] المتطبب «الذي يعاني الطب. و في معظم الأصول «متطيب» صوابه في مب، ها، ف.
[٢] في معظم الأصول «لهم أعداء» صوابه في مب، ها، ف.
[٣] في معظم الأصول «محيص» صوابه في مب، ها، ف.
[٤] التربة بكسر الراء و فتحها: شجرة شاكة و ثمرتها كأنها بسرة معلقة. «اللسان» (ترب). ف، س «الثربة» و معظم الأصول «الثرية» و أثبت ما في مب.
[٥] الكدم: العض.
[٦] المدعدعة: المملوءة.
[٧] الملمعة: ذات اللمع. و اللمعة: كل لون خالف لونا.
[٨] الأشجع: مغرز الإصبع.