الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٢٤ - استثاره محمد بن مروان فهجا عمرو بن عمرو
دخل الحزين على عمرو بن عمرو بن الزّبير بن العوام منزله، فامتدحه و سأله حاجة، فقال له: ليس إلى ما تطلب سبيل، و لا نقدر أن نملأ الناس معاذير، و ما كلّ من سألنا حاجة استحقّ أن نقضيها، و لربّ مستحقّ لها قد منعناه حاجته. فقال الحزين: أ فمن المستحقّين أنا؟ قال: لا و اللّه، و كيف تكون مستحقّا لشيء من الخير و أنت تشتم أعراض الناس [١] و تهتك حريمهم، و ترميهم بالمعضلات، إنّما المستحق من كفّ أذاه، و بذل نداه، و وقم أعداه [٢].
فقال له الحزين: أ فمن هؤلاء أنت؟ فقال له عمرو: أين تبعدني لا أمّ لك من هذه المنزلة و أفضل منها! فوثب الحزين من عنده و أنشأ يقول:
حلفت و ما صبرت على يمين
و لو أدعى إلى أيمان صبر [٣]
بربّ الراقصات بشعث قوم
يوافون الجمار لصبح عشر [٤].
لو انّ اللؤم كان مع الثريّا
لكان حليفه عمرو بن عمرو
و لو أنّي عرفت بأنّ عمرا
حليف اللؤم ما ضيّعت شعري
هجاؤه لعمرو بن عمرو و مديحه لمحمد بن مروان
فقال العمري: و حدّثني لقيط أنّ الحزين قال فيه أيضا يهجوه و يمدح محمد بن مروان بن/ الحكم، و جاءه فشكا إليه عمرا، فوصله و أحسن إليه. قال:
إذا لم يكن للمرء فضل يزينه
سوى ما ادّعى يوما فليس له فضل
و تلقى الفتى ضخما جميلا رواؤه
يروعك في النّادي و ليس له عقل
و آخر تنبو العين عنه مهذّب
يجود إذا ما الضّخم نهنهه البخل
فيا راجيا عمرو بن عمرو و سيبه
أ تعرف عمرا أم أتاه بك الجهل [٥]
فإن كنت ذا جهل فقد يخطئ الفتى
و إن كنت ذا حزم إذا حارت النّبل [٦]
جهلت ابن عمرو فالتمس سيب غيره
و دونك مرمى ليس في جدّه هزل
عليك ابن مروان الأغرّ محمدا
تجده كريما لا يطيش له نبل
قال لقيط: فلما أنشد الحزين محمد بن مروان هذا الشّعر أمر له بخمسة آلاف درهم، و قال له: اكفف يا أخا بني ليث عن عمرو بن عمرو و لك حكمك. فقال: لا و اللّه و لا بحمر النّعم و سودها، لو أعطيتها ما كففت عنه، لأنه ما علمت كثير الشرّ، قليل الخير، متسلّط على صديقه، فظّ على أهله. «و خير ابن عمرو بالثريا معلق».
استثاره محمد بن مروان فهجا عمرو بن عمرو
فقال له محمد بن مروان: هذا شعر. فقال: بعد ساعة يصير شعرا، و لو شئت لعجّلته. ثم قال:
[١] بعده سقط في مب، ها ينتهي في ص ٣٤٠.
[٢] الوقم: الإذلال و القهر. ما عدا ح «و أرغم أعداه».
[٣] ف «حلفت يمين صبر».
[٤] الراقصات: الإبل ترقص في سيرها، و هو ضرب من الخبب. شعث: جمع أشعث. ما عدا ح «بشعب قوم» تحريف.
[٥] أي أتى بك الجهل إليه.
[٦] كذا في م، أي ضلت سهامك سبيل القصد. و في أ «حازت». و في سائر النسخ «جازت».