الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٠٩ - خبر نديمي جذيمة الأبرش
و سمّته عمرا و ربّته، فلما ترعرع حلّته و عطرته و ألبسته كسوة مثله [١]، ثم أرته خاله فأعجب به، و ألقيت عليه منه محبّة و مودّة، حتّى إذا وصف [٢] خرج الغلمان يجتنون الكمأة في سنة قد أكمأت، و خرج معهم، و قد خرج جذيمة فبسط له في روضة، فكان الغلمان إذا أصابوا الكمأة أكلوها، و إذا أصابها عمرو خبأها، ثم أقبلوا يتعادون و هو معهم يقدمهم و يقول:
هذا جناي و خياره فيه
إذ كلّ جان يده إلى فيه
فالتزمه جذيمة و حباه و قرب من قلبه، و حلّ منه بكلّ مكان. ثم إنّ الجن استطارته، فلم يزل جذيمة يرسل في الآفاق في طلبه فلم يسمع له بخبر، فكفّ/ عنه. ثم أقبل رجلان يقال لأحدهما عقيل و الآخر مالك، ابنا فالج، و هما يريدان الملك بهدية، فنزلا على ماء و معهما قينة يقال لها أمّ عمرو، فنصبت قدرا و أصلحت طعاما، فبينما هما يأكلان إذ أقبل رجل أشعث أغبر، قد طالت أظفاره و ساءت حاله، حتّى جلس مزجر الكلب، فمدّ يده فناولته شيئا/ فأكله، ثم مدّ يده فقالت: «إن يعط العبد كراعا يتّسع ذراعا» [٣] فأرسلتها مثلا. ثم ناولت صاحبيها من شرابها و أوكأت دنّها، فقال عمرو بن عديّ:
صوت
صددت الكأس عنا أمّ عمرو
و كان الكأس مجراها اليمينا
و ما شرّ الثلاثة أمّ عمرو
بصاحبك الذي لا تصبحينا
غناه معبد فيما ذكر عن إسحاق في «كتابه الكبير». و قد زعم بعض الرواة أن هذا الشعر لعمرو بن معد يكرب [٤].
و أخبرنا اليزيدي قال: حدّثنا الخليل بن أسد النّوشجانيّ قال: حدّثنا حفص بن عمرو، عن الهيثم بن عدي، عن ابن عياش [٥]، أنّ هذا الشعر لعمرو بن معد يكرب في ربيعة بن نصر اللخمي.
[١] في «مروج الذهب» «كسوة فاخرة».
[٢] كذا على الصواب في ح، ها، مب، يقال وصف الغلام بضم الصاد، و أوصف أيضا، إذا شب، فهو غلام وصيف، و الأنثى و صيفة.
و في سائر النسخ «وصب» تحريف.
[٣] في «مروح الذهب» «طلب ذراعا».
[٤] بل الأصح في نسبتهما أنهما لعمرو بن كلثوم في معلقته.
[٥] في الأصول «عن ابن عباس»، و إنما هو «ابن عياش» و هو عبد اللّه بن عياش المنتوف، ترجم له في «لسان الميزان» (٣: ٣٢٢)، و ذكر أن الهيثم بن عدي يروى عنه، و أنه كان ينادم المنصور و يجترئ عليه و يضحكه. و كذا ذكر في ترجمة الهيثم بن عدي أنه يروي عن عبد اللّه بن عياش.