منتهى المطلب في تحقيق المذهب - العلامة الحلي - الصفحة ١٥٩
و احتجّ أبو حنيفة على نجاسة سؤر سباع الوحش بأنّ لعابه نجس بدليل حرمة أكله مع كونه صالحا للغذاء من غير استحقاقه الكرامة [١] و الاحترام، و إذا كان لعابه نجسا و قد امتزج بالماء أوجب نجاسته [٢]، و خصّ ما ورد من الحديث بالحياض الكبيرة.
و الجواب عنه بالمنع من نجاسة اللّعاب، و تحريم أكل اللّحم لا يدلّ على النّجاسة فإنّ التّحريم قد يكون للنّجاسة، و قد يكون لاشتماله على المؤذي، و قد يكون لمصالح أخر خفيّة علينا، فكيف يعارض النّصّ بمثل هذا الاستدلال الضّعيف، على انّا نقول: حيوان يطهر جلده بالدّباغ، فيكون سؤره طاهرا كالشّاة و الحمار، و الجامع انّ طهارة الجلد تدلّ على انّ عينه ليست نجسة، فلا يكون لحمه نجسا، و تخصيص الحديث لغير دليل باطل خصوصا مع انّ السّؤال وقع عن الجمع المحلّى بالألف و اللام الموضوع للعموم، فلو لم يكن الجواب بحيث يدخل فيه كلّ الأفراد، لكان تأخيرا للبيان عن وقت الحاجة، و ذلك باطل بالاتّفاق.
و استدلّ من قال بنجاسة سؤر الحمر [٣] بما روي، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله انّه قال يوم خيبر في الحمر: (انّه رجس) [٤] و هو ضعيف، فإنّ البخاريّ قال: راوي هذا الحديث ابن أبي حبيبة، و هو منكر الحديث [٥]، و إبراهيم بن أبي يحيى، و هو
[١] في «م» «خ»: للكرامة.
[٢] الهداية للمرغيناني ١: ٢٣، بدائع الصّنائع ١: ٦٤، المبسوط للسّرخسي ١: ٤٨، شرح فتح القدير ١: ٩٥.
[٣] المبسوط للسّرخسي ١: ٤٩، بدائع الصّنائع ١: ٦٥.
[٤] صحيح البخاري ٥: ١٦٧، و ٧: ١٢٣، و ٩: ٣١، صحيح مسلم ٢: ١٠٢٧، و ٣: ١٥٣٧، سنن النّسائي ٧: ٢٠٢، سنن الدّارمي ٢: ٨٦.
[٥] أبو إسماعيل: إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأشهلي، مولى بني عبد الأشهل من الأنصار من أهل المدينة، يروي عن داود بن الحصين، و عمر بن سعيد بن سريح، و روى عنه أبو عامر العقدي. مات سنة ١٦٥ ه و قيل: ١٦٠ ه، و هو ضعيف منكر الحديث كان يقلب الأسانيد و يرفع المراسيل.
الضّعفاء الصّغير للبخاري: ٢٥، ميزان الاعتدال ١: ١٥، المجروحين لابن حبّان ١: ١٠٩، الضّعفاء و المتروكين لابن الجوزي ١: ٢٢، سنن الدّارقطني ١: ٦٢، الجرح و التعديل ٢: ٨٣.