منتهى المطلب في تحقيق المذهب - العلامة الحلي - الصفحة ١٠٦
و قال أبو حنيفة و أبو يوسف: لا يطهر إلّا إذا نحّي عن رأس البئر، لأنّ الفصل بين ماء البئر و ماء الدّلو واجب [لا الفصل [١]] بين الظّرفين، و ماء البئر متّصل بالدّلو حكما، لأنّه لا ينجس الماء بما يتقاطر منه، فحكم المتقاطر حكم ماء البئر، فلا يقع الانفصال من كلّ وجه، بخلاف ما إذا نحّي عن رأس البئر، لأنّه انفصال حقيقيّ، و لهذا لو عاد شيء من ماء الدّلو إليه، وجب النّزح ثانيا [٢]
. التّاسع: إذا وجدت الجيفة في البئر
، فإن غيّرت الماء، حكم بنجاسته من حين الوقوف على التّغيّر، و إلّا فلا، سواء وجدت منتفخة أو لا. هذا على رأينا، و أمّا القائلون بالتّنجيس، فحكموا به من حين الوجدان [٣]، و هو اختيار أبي يوسف و محمّد [٤]، لأنّ النّجاسة في الحال متيقّنة، و في الماضي مشكوك فيه [٥]، لاحتمال موتها خارجا و انتفاخها ثمَّ سقوطها، فلا تثبت النّجاسة في الماضي بالشّك.
و عند أبي حنيفة إن وجدت منتفخة حكم بنجاستها منذ ثلاثة أيّام و لياليها، و إن كانت غير منتفخة منذ يوم و ليلة [٦]، لأنّ الموت حادث لا بدّ له من سبب ظاهر، و الوقوع في الماء سبب صالح، فيضاف إليه للمناسبة، و من المعلوم انّه لا يموت بالسّقوط في زمان قصير، بل يمضي مدّة كثيرة و نهايتها غير مضبوطة، فقدّرناها بيوم و ليلة الّذي هو أدنى الكثرة.
و الانتفاخ يفتقر إلى زمان أكثر من زمان الموت، و هو غير ممكن أن يوقف عليه، فقدّرناه بثلاثة أيّام و لياليها. و ما ذكره أبو حنيفة ليس بجيّد، لأنّ الوصف الّذي ذكره مناسبا، مرسل غريب، فإنّه لم يشهد له أصل من الأصول بالاعتبار بطريق من الطّرق، فكان مرسلا، و لم يعتبر جنسه البعيد في جنس الحكم، فكان غريبا، فيكون مردودا اتّفاقا.
[١] «ن»: لا فصل، «خ»: للفصل، و الظّاهر ما أثبتناه.
[٢] المبسوط للسّرخسي ١: ٩٢، بدائع الصّنائع ١: ٧٧، شرح فتح القدير ١: ٩٢.
[٣] منهم: المفيد في المقنعة: ٩، و الشّيخ في المبسوط ١: ١١، و سلّار في المراسم: ٣٤.
[٤] المبسوط للسّرخسي ١: ٥٩، بدائع الصّنائع ١: ٧٨، شرح فتح القدير ١: ٩٣.
[٥] كذا في جميع النّسخ، و الأنسب: فيها.
[٦] راجع المصادر السّابقة.