منتهى المطلب في تحقيق المذهب - العلامة الحلي - الصفحة ٥
[المقدمة] الاولى: في ذكر الغرض من هذا العلم، و وجه الحاجة إليه
قد بيّنا في كتبنا العقليّة: انّ اللّه تعالى إنّما فعل الأشياء المحكمة المتقنة لغرض و غاية، لا لمجرّد العبث و الاتّفاق [١]- كما قاله بعض من لا تحصيل له [٢]- و لا شكّ انّ أشرف الأجسام السّفليّة، هو: نوع الإنسان، فالغرض لازم في خلقه و لا يمكن أن يكون الغرض منه حصول ضرر له، فإنّ ذلك إنّما يقع من المحتاج أو الجاهل، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا، فلا بدّ و أن يكون هو النّفع، و لا يجوز عوده إليه تعالى لاستغنائه، فلا بدّ و أن يكون عائدا إلى العبد.
ثمَّ لمّا بحثنا عن المنافع الدّنيويّة وجدناها في الحقيقة غير منافع، بل هي دفع آلام، فإن كان فيها شيء يستحقّ أن يطلق عليه اسم النّفع فهو يسير جدّا، و مثل هذا الغرض لا يمكن أن يكون غاية في حصول هذا المخلوق الشّريف، خصوصا مع انقطاعه و شوبه بالآلام المتضاعفة، فلا بدّ و أن يكون الغرض شيئا آخر ممّا يتعلّق بالمنافع الأخرويّة.
و لمّا كان ذلك النّفع من أعظم المطالب، و أنفس المقاصد، لم يكن مبذولا لكلّ أحد، بل إنّما يحصل بالاستحقاق، و ذلك لا يكون إلّا بالعمل في هذه الدّار، المسبوق بتحصيل كيفيّة العمل المشتمل عليه هذا العلم، فكان ذلك من أعظم المنافع في هذا العلم، و الحاجة إليه ماسّة جدّا لتحصيل هذا النّفع و التّخلّص من العقاب الدّائم.
[١] كشف المراد: ٢٣٨، الباب الحادي عشر: ٢، نهج الحق و كشف الصّدق: ٨٩، أنوار الملكوت في شرح الياقوت: ١٥١.
[٢] ذهبت الأشاعرة إلى انّ أفعاله تعالى يستحيل تعليلها بالأغراض و المقاصد، كشف المراد: ٢٣٨، أنوار الملكوت في شرح الياقوت: ١٥١، نهج الحق و كشف الصّدق: ٨٩، التّفسير الكبير ١٧: ١١.