رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٩
الإخبار بخلق آدم بيديه كناية عن اهتمامه سبحانه بخلقه، وانّه كان مصنوعاً له سبحانه دون غيره، فكأنّه سبحانه يقول لماذا رفضت يا إبليس السجود لمن كان لي الاهتمام بمكانه؟
فَأُطلقت الخلقة باليد وكنّى بها عن قيامه سبحانه بخلقه، وعنايته بإيجاده، وتعليمه إيّاه أسماءه، لأنّ الغالب في عمل الإنسان هو القيام به باستعمال اليد، يقول: هذا ما بنيته بيدي، أو ما صنعته بيدي، أو ربّيته بيدي، و يراد من الكلّ هو القيام المباشري بالعمل، وربّما استعان فيه بعينه وسمعه وغيرهما من الأعضاء، لكنّه لا يذكرها ويكتفي باليد. وكأنّه سبحانه يندّد بالشيطان بأنّك تركت السجود لموجود اهتممت بخلقه وصنعه.
ونظير ذلك قوله سبحانه: (أَوَ لَمْ يَرَوا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مالِكُونَ) [١]فالأيدي كناية عن تفرّده تعالى بخلقها، لم يشركه أحد فيه. فهي مصنوعة للّه تعالى والناس يتصرّفون فيها تصرف الملاّك كأنّها مصنوعة لهم، فبدل أن يشكروا يكفرون بنعمته. وأنت إذا قارنت بين الآيتين تقف على أنّ المقصود هو المعنى الكنائي، والمدار في الموافقة والمخالفة هو الظهور المستقر لا البدوي.
وما ذكرناه في تفسير الآية يكون اسوة لتفسير عامة الصفات الخبرية الواردة في القرآن من دون أن يستلزم التشبيه، أو الاستسلام للمتناقضين، أو التعطيل أو التأويل المرفوض.
وقس على ذلك قوله سبحانه:
١. (وَالسّماءَ بَنَيْناها بِأَيد وإنّا لَمُوسِعُونَ)[٢]
[١]يس : ٧١.
[٢]الذاريات: ٤٧.