رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣١٣
٢. التوراة والإنجيل هدىً ونور:
إنّ أحد أوهام هذا الفريق قوله إنّ القرآن قد اعتبر التوراة والإنجيل هدىً ونوراً، يقول تعالى: (إِنّا أَنْزلنا التَّوراةَ فِيها هُدىً ونُور) .[١] (آتَيْناهُ الإِنْجيل فيهِ هدىً وَنُور).[٢]فكلا الآيتين تشير إلى أنّ كلا الكتابين لم يتجرّدا، في عصر الرسول، من النور والهداية، ومازالا إلى يومنا هذا. وهذا نمط استدلال في مقابل استدلال اليهود والنصارى الذين رفعوا في حياتهم شعار: نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض» وقالوا«نؤمن بموسى و نكفر بعيسى و محمد».[٣]وهذا الفريق (دعاة التعدّدية) لم يعتنوا بالآيات الواردة في هذا الموضوع وتعلّقوا باشعار ضعيف فيها، سيزول سريعاً لو راجعنا سياق الآيات وأسباب النزول.
هناك مجموعة من الآيات في القرآن الكريم تبدأ من الآية (٤١) من سورة المائدة وتنتهي في الآية (٥٠)، وكلّها تنتقد سلوك اليهود الذين غيّروا الأحكام الإلهية وأخفوها. فمثلاً بدّلوا حكم الزانية المحصنة، التي حكمت التوراة برجمها، بدّلوه بتسويد الوجه، وكانت الدية عندهم على شكلين، فإذا قتل شخص من (بني النضير) أخذوا دية كاملة، وإذا قتل شخص من (بني قريظة) أخذوا نصف دية، لأنّ القبيلة الأُولى قوية والثانية ضعيفة، بينما دية الإنسان في التوراة واحدة للجميع. ففي عصر الرسول وقع رجل في زنى امرأة محصنة منهم، فجاءوا إلى الرسول ليحاكمهما في ضوء التوراة، فسألهم الرسول ما حكم التوراة في هذا الموضوع؟ قالوا: «تسويد الوجه» فقال: كذبتم، بل حكمكم الرجم. فقال أتوني بالتوراة، فجاءوا بها فقرأها رجل اسمه (ابن صوريا)، فلما وصل إلى حكم الزنا
[١]المائدة:٤٤.
[٢]المائدة:٤٦.
[٣]تفسير المنار:٦/٨.