رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٥٦
أضف إلى ذلك انّ التعليل في الحديث آية الشمول، لأنّ قوله: «فإنّها تذكّركم الآخرة » لا يقبل التخصيص، وقد قرر في علم الأُصول انّ العلّة تعمم وتخصّص، وهل يصحّ في منطق العقل الصريح، اختصاص ما يذكّر الآخرة بالرجال وحرمان النساء منه؟!
٥. حديث أنس بن مالك
أخرج البخاري في صحيحه، عن أنس بن مالك، قال: امرَّ النبي بامرأة تبكي عند قبر، فقال: اتقي اللّه واصبري، قالت: إليك عنّي فانّك لم تُصب بمصيبتي ولم تعرفه.
فقيل لها: إنّه النبيّ ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ ، فأتت باب النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: إنّما الصبر عند الصدمة الأُولى.
قال ابن [١]حجر في تفسيره: قوله :الصدمة الأُولى:«وفي رواية الأحكام عند أوّل صدمة» ونحوه لمسلم، والمعنى إذا وقع الثبات أوّل شيء يهجم على القلب من مقتضيات الجزع، فذلك هو الصبر الكامل الذي يترتب عليه الأجر، وأصل الصدم ضرب الشيء الصلب بمثله، فاستعير للمصيبة الواردة على القلب.[٢]
وجه الدلالة: انّ النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ أوصاها بالتقوى والصبر، وكأنّها قالت في كلامها شيئاً يخالف التقوى.
قال القرطبي: الظاهر انّه كان في بكائها قدر زائد من نوح أو غيره، ولهذا
[١]صحيح البخاري: ٢/٧٩، باب زيارة القبور
[٢]فتح الباري: ٣/١٤٩، باب زيارة القبور.