رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٧٢
طاغُون) .[١]
كان المشركون يحلمون بتحقق هذه الأُمنية الشيطانية، ويتربّصون به ريب المنون لايشكّون في أنّ دعوته ستموت بموته، لأنّه في نظرهم ملك في صورة نبي، وسلطته سلطة في صورة دعوة إلهية، فلئن مات أو قتل انقطع أثره وخمد ذكره، كما هو المشهود من حال الملوك والجبابرة مهما تعالى أمرهم، وبلغوا في التكبّر والتجبّر وركوب رقاب الناس، مبلغاً عظيماً وكانوا على هذه الحالة حتى جاء أمين الوحي فأدهشهم وطارت عقولهم، إذ أمر النبي بتنصيب علي ـ عليه السَّلام ـ لمقام الولاية الإلهية، واستخلافه في أمر المسلمين بعده، مخاطباً إياه بقوله: (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاس).[٢]
فقام النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ في محتشد عظيم من الناس التفّ حوله وجوه المهاجرين والأنصار وأخذ بيد عليّ ـ عليه السَّلام ـ ورفعها، وقال: ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: اللهم بلى. فقال: من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه. اللّهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله.[٣]
فصار عمل النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ وقيامه بواجبه في تنصيب عليّ ـ عليه السَّلام ـ مقام القيادة بعد وفاته، سبباً ليأس المشركين قاطبة فأذعنوا أنّ النبيّ نور لا يُطفأ، وسراج لا يخبو، وأنّ كتابه فرقان لا يخمد برهانه، وتبيان لا تهدم أركانه، وعزّ لا تهزم أنصاره، وحقّ لا تخذل أعوانه. و قد نزل أمين الوحي يبشِّر النبي الأكرم ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ عن قنوط المشركين
[١]الطور: ٣٠ـ ٣٢.
[٢]المائدة:٦٧.وتسمّى الآية آية البلاغ لاشتمالها على لفظة بلّغ. راجع للوقوف على مصادر نزولها في حقّ الإمام عليّ ـ عليه السَّلام ـ كتب الحديث والتفسير، وكفانا في ذلك ما حقّقه الشيخ الأكبر الأميني في كتابه «الغدير»ج١، ص ٢١٤ـ ٢٢٩.
[٣]لاحظ مصادر حديث الغدير في موسوعة «الغدير» ج١، ص ١٤ـ ١٥١.