رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٥٣
حتّى جاء البقيع، فرفع يديه ثلاث مرات فأطال، ثمّ انحرف فانحرفت، فأسرع فأسرعت، فهرولَ فهرولتُ، فأحضرَ فأحضرتُ، وسبقته فدخلتُ فليس إلاّ أن اضطجعتُ، فدخل فقال :ما لك يا عائشة حشيا رابية؟.
قالت: لا، قال: لِتُخْبِرَنِّي أو لِيُخْبِرَنِّي اللطيف الخبير، قلت يا رسول اللّه: بأبي أنت وأُمّي فأخبرته الخبر، قال: فأنتِ السواد الذي رأيت إمامي، قالت: نعم. فلهزني في صدري لهزة أوجعتني، ثمّ قال: أظننت أن يحيف اللّه عليك ورسوله، قلت: مهما يكتم الناس فقد علمه اللّه.
قال : فانّ جبرئيل أتاني حين رأيت ولم يدخل عليَّ، وقد وضعت ثيابك فناداني فأخفى منك، فأجبته فأخفيته منك، فظننت ان قد رقدتِ وكرهتُ أن أُوقظك وخشيتُ أن تستوحشي، فأمرني أن آتي البقيع فأستغفر لهم، قلت: كيف أقول يا رسول اللّه؟
قال: قولي: السّلام على أهل الدّيار من المؤمنين والمسلمين، يرحم اللّه المستقدمين منّا والمستأخرين، وإنّا إن شاء اللّه بكم لاحقون.[١]
وجه الدلالة: انّ تعليم الزيارة آية جوازالعمل بها.
مضافاً إلى أنّ قوله: «وكرهت أن أُوقظك» مشيراً إلى أنّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ كره إيقاظها لتشاركه في زيارة البقيع.
نعم ليس في الرواية ما يدلّ على دخولها البقيع، وإنّما خرجت من بيتها للاطلاع على حال الرسول، وانّه إلى أين ذهب، لكن الاستدلال ليس منصبّاً على دخولها البقيع وزيارتها مع النبي، بل هو منصبّ على أنّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ علّمها الزيارة،
[١]سنن النسائي: ٤/٩١، الأمر بالاستغفار للمؤمنين; صحيح مسلم: ٣/٦٤، باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها. واللفظ في المتن للنسائي، وبين النقلين اختلاف طفيف. قوله «حَشْيا»: مرتفعة النفس.